1
لطالما ترددتُ كثيرًا في نشر مقتطفات من مذكراتي في المدونة، ربما لأنني كنت أخشى مواجهة تلك الذكريات التي شكلت هويتي بصفتي صانع أفلام في بيئة لا تعترف بالسينما إلا على أنها ترف أو إضاعة للوقت، لكن الحقيقة التي اكتشفتها مبكرًا هي أن السينما في بلادنا ليست رفاهية، بل هي في نظري حاجة إنسانية ملحّة، وهي المرآة التي نرى فيها عيوبنا وجمالنا، والأداة الأقوى لتوعية الناس بحقوقهم.
لم يكن قرار دخولي عالم السينما مجرد خيار مهني، بل كان مواجهة مبكرة مع منظومة اجتماعية تقدس كليات الطب والهندسة. أتذكر جيدًا تلك اللحظة الحرجة حين كنتُ أحاول اختيار تخصصي الجامعي؛ فبمجرد انتشار خبر رغبتي في دراسة السينما، وتحديدًا تخصص الإخراج والسيناريو، استنفرت العائلة، ووصل الأمر ببعض الأقارب إلى زيارتنا في البيت خصيصًا في محاولة لمنعي، وكأنني سأدمر مستقبلي بيدي! لكنني، وبقدر ما كنتُ أشعرُ بالضغط، أتذكر ردًّا واحدًا لأبي –رحمه الله– حسم كل شيء وألجم الحاضرين، إذ قال بلهجةٍ واثقة: “أنا لن أتدخل في اختيار مجال دراستك، بل سأحاسبك في حال إخفاقك فقط“. منحني كلامه الحق والدعم الكافي لاختيار شغفي دون خوف من ردود فعل المحيطين، ووضعني في تحدٍّ مع نفسي لأثبت للجميع أن خياري لم يكن طيشًا.
2
لم تتشكل نظرتي الحقيقية عن الأفلام داخل قاعات المحاضرات أو دور السينما (غير المتاحة أساسًا)، بل ولدت خلف مِنصة بيع في متجر للأفلام بشارع جمال عبد الناصر في طرابلس. هناك، في عام 2010، حظيتُ بفرصة لا تُقدر بثمن، وهي حق المشاهدة المجانية لمئات العناوين، وفي غمرة ذلك الشغف، عزز والدي دعمي بموقفٍ لا يُنسى؛ إذ اشترى لي أول كاميرا احترافية –سرًّا– دون علم والدتي، لتكون أولى أدوات حلمي والدافع الأساسي لدراسة السينما أكاديميًّا.
دخلتُ المعهد العالي لتقنيات الفنون بطرابلس بأحلام كبيرة ورغبة في تعلم كل ما يخص الصناعة، لكنني اصطدمتُ بواقع ضعف المناهج التعليمية وبُعدها عن مواكبة تطور المجال، وتركيزها المفرط على المناهج النظرية التي عفا عليها الزمن. ومع ذلك، كانت لي لحظات مضيئة؛ أتذكر انغماسنا في “الواقعية الإيطالية” التي مستني بصدقها، وعوالم المخرج “فيديريكو فليني” الساحرة. حتى مع ضعف المستوى التدريسي العام، فإنني لا أنسى أستاذ مادة “المشاهدة والتحليل“؛ فعلى تواضع قدراته التعليمية، فإن عشقه المطلق لسينما “ألفريد هتشكوك” كان الفائدة الوحيدة لي؛ إذ كان يكتفي بإطفاء الأنوار وعرض الأفلام في صمت مطبق ومغادرة القاعة حتى ينتهي العرض، ليعود ويقول: “يمكنكم الانصراف، الدرس انتهى“، مما منحنا قدرة فطرية على تحليل لغة التشويق دون تلقين.
كنتُ من المحظوظين؛ ففي السنوات التي تلت الثورة، وتحديدًا بين عامي 2012 و2014، تلقيت تدريبات مكثفة مع مؤسسات دولية، من أبرزها “المعهد الإسكتلندي للأفلام الوثائقية“، وهي التجربة التي صقلت أدواتي قبل أن تنهار الأوضاع الأمنية عقب أحداث “فجر ليبيا“، إذ توقفت الفرص وانحسرت التدريبات الدولية تمامًا، وصار البحث عن أي أفق جديد لتطوير الذات يتطلب السفر خارج البلاد. الصدمة الكبرى جاءت بعد التخرج عام 2015، حين اصطدمت بسوق عمل لا يعترف بصفة “صانع أفلام“. اضطررتُ حينها إلى الاجتهاد الشخصي للبقاء في الميدان، ولأن صناعة الأفلام المستقلة لم تكن تدرُّ دخلًا؛ قضيت سنواتي في العمل مصورًا صِحفيًّا مع وكالات محلية ودولية، ومصورًا للمناسبات، وفي برامجَ وقنواتٍ تلفزيونية لضمان مصدر دخل، وقد كان هذا العمل مجرد وسيلة للبقاء على قيد الحياة مهنيًّا، حتى جاءت لحظة التحول الحقيقي.
3
جاء هذا التحول في أثناء جائحة كورونا؛ حين كنتُ ضمن مجموعة من الصُنّاع والنشطاء في حراك تطوعي لمواجهة الأزمة، ففي أثناء نشاطنا، طرأت فكرة التعاون مع مؤسسة لإنتاج أفلام توعوية، لكننا عند بحثنا فوجئنا بعدم وجود أي مؤسسة غير ربحية في ليبيا –آنذاك– تُعنى حصرًا بالسينما وصناعة الأفلام وتعمل من داخل البلاد. من هذا الفراغ المؤسسي، ومن رحم العمل الميداني، ولدت فكرة “مؤسسة ليبيا للأفلام” (LFI) في عام 2021، في مبادرة مستقلة لسد هذه الفجوة. أردنا خلق بيئة تخصصية تفتقدها البلاد، فبدأنا بتنظيم عروض السينما والورش، وإنتاج أفلام تلامس واقعنا؛ إيمانًا منا بأن السينما هي المرآة التي تعكس هُويتنا وتجعل أصواتنا مسموعة.
واليوم، وبالرغم من كل شيء، أجد نفسي أمام فصل جديد؛ فمنذ انتقالي إلى هولندا قبل عامين، شعرتُ وكأن كل شيء بدأته قد عاد إلى نقطة الصفر، فالمنافسة هنا أعلى بكثير، والتحديات مختلفة تمامًا، لكنني آمل في تطوير مهاراتي والاستفادة من الخبرات هنا. طموحي ليس البقاء بعيدًا، بل أن أعود يومًا إلى ليبيا وأنا أحمل أدواتٍ أكثر واحترافية أكبر، لأصنع أفلامًا أفضل تليق بقصصنا وتساهم في بناء وعي جمعي يرفض التهميش؛ لأن شعوري بالمسؤولية تجاه بلادي وتجاه تلك المحاولة التي بدأناها في (LFI) أقوى من أي غربة. رحِم الله والدي، فبسببه بدأت هذه الرحلة… وهي مستمرة أينما كنت.
سامر العامري