مادغيس أومادي، الباحث الليبي المتخصص في تاريخ السينما الليبية، يعد أحد الأصوات الرائدة في التنقيب عن أرشيف السينما الليبية، وطرح الأسئلة الجوهرية المرتبطة بهذا الأرشيف الذي هو جزء من الذاكرة الثقافية في ليبيا.

في هذا الحوار، نفتح معه ملف السينما الليبية: ماضيها الذي لم يوثق بما يكفي، وحاضرها الذي يتشكل بصعوبة، ومستقبلها الذي يبقى رهين قدرة صُنّاعها على تحويل الشغف الفردي إلى مشروع ثقافي مستدام.

يحتفظ أومادي بعدد كبير من بوسترات الأفلام، يصل طول بعضها إلى خمسة أمتار، مثل بوستر فيلم “عمر المختار”، إضافة إلى بوسترات نادرة مثل “الطريق”، و”المهاجرون”، و”الشظية”، و”تاقرفت”، كما يضم أرشيفه بوسترات لأفلام أمريكية وإيطالية صُوّرت في ليبيا.

في السنوات الماضية، ترجم أومادي عددًا كبيرًا من النصوص والدراسات القديمة المتعلقة بتاريخ السينما في ليبيا، وهي مواد منشورة بلغات مختلفة مثل الإيطالية والفرنسية، وبعضها يعود إلى مراحل مبكرة جدًّا من تاريخ التصوير والسينما في بلادنا، وتتضمن هذه النصوص مقالات صحفية، وتقارير ووثائق تتعلق بدور العرض السينمائي والنشاط السينمائي إبّان الاستعمار الإيطالي وما بعده.

هذه المصادر غير متاحة للقارئ العربي أو الليبي حتى الآن، ويتمنى مادغيس أومادي أن تتولى جهة ثقافية إصدار هذه الترجمات في كتاب يوثق البدايات الأولى للسينما في ليبيا.

ويرى أومادي أن السينما ليست مجرد وسيلة للفرجة، بل هي، مثل كرة القدم، أداة للتواصل والتعريف بالذات والثقافة والمجتمع.

 

 

 

من أين بدأ الشغف بالبحث في تاريخ السينما الليبية؟

 

 الاهتمام نابع أساسًا من اهتمامي بكل ما هو ليبي، فكل ما يتعلق بالثقافة الليبية يشدني ويثير فضولي، والسينما جزء أصيل من هذا الموروث الثقافي. ومن هذا المنطلق بدأ شغفي بالبحث في تاريخ السينما الليبية ومحاولة تتبع مساراتها ومراحلها المختلفة.

كانت لي تجارب عملية في مجال الإنتاج الوثائقي، فقد اشتغلت باحترافية في هذا المجال في المغرب وغيره من البلدان، وقد أنجزت مجموعة من الوثائقيات السمعية والبصرية المنتشرة على شبكة الإنترنت، تناولت مواضيع مختلفة من الثقافة الليبية، مثل الأكل التقليدي كالكُسكس والشاي، واللباس، والقصص والحكايات الشعبية، إضافة إلى تقديم شخصيات تاريخية، ثم إني أخرجت عددًا من المسرحيات المسموعة.

في أثناء دراستي في فرنسا، وقد مكثت هناك سنوات طويلة، عملت أيضًا في المسرح فنيّ إضاءة ومؤثرات صوتية، وهي تجربة أضافت لي الكثير من المعرفة التقنية والفنية في المجال السمعي البصري. وكما تعلمين، لم أعد إلى ليبيا إلا بعد ثورة فبراير سنة 2011، إذ غادرت البلاد في سن مبكرة، لكن ارتباطي بليبيا وثقافتها ظل دائمًا حاضرًا في كل ما أعمل عليه.

 

 

هل من أفلام ليبية بدأت عملية تصويرها ولكن توقفت فجأة لأسباب رقابية أو مالية؟ ما هي هذه الأفلام؟ وما حكاياتها؟

 

ـنعم، أفلام ليبية عدة بدأت مشاريعها لكنها لم ترَ النور لأسباب مختلفة، بعضها رقابية وبعضها مالية. من بين هذه الأعمال فيلم “صائد الحوت” للمخرج محمد الفرجاني، وهو مشروع يعود إلى سنة 1967، لكنه للأسف لم يكتمل ولم يشاهد النور.

ومن أوائل الأشرطة التي تعرضت للمنع فيلم “ثورة في الصدور” سنة 1970، وقد شاركت فيه مجموعة مهمة من الممثلين الليبيين، منهم: خدوجة صبري، وعمران الجازوي، وفاطمة الجازوي، وعزيزة العزابي، وكان هذا العمل آخر ظهور مسرحي وسينمائي للفنانة عزيزة العزابي، إضافة إلى مشاركة عمر الشويرف. وقد كان الفيلم من إنتاج علي الهلودي.

والحقيقة أن أفلامًا ليبية كثيرة لا يعرفها الجيل الجديد، ولهذا أحاول قدر الإمكان جمع ما بقي منها والحفاظ عليه، سواء كانت أشرطة سينمائية أو تسجيلات فيديو، وقد حولت بعض هذه المواد إلى صيغ رقمية للحفاظ عليها من الضياع، والعمل جارٍ لتحويل مواد أخرى كلما سنحت الفرصة.

ومن بين الأعمال التي أتمنى العثور على أي أثر لها فيلم يُعد أول فيلم ينتجه ليبي على الإطلاق، وهو للمرحوم الفنان والأديب فؤاد كعبازي عن نشاط الزاوية الأسمرية. وقد شارك هذا الفيلم في مهرجانات سينمائية، وكان المصور فيه الإيطالي إنريكو بافيلو، وهو إيطالي مولود في ليبيا بمدينة زوارة. وقد فاز الفيلم بجوائز عدة في إيطاليا، وكتبت عنه الصحافة الإيطالية في ذلك الوقت.

إضافة إلى ذلك، وجدت إشارات إلى أشرطة أُنتجت في حقول النفط الليبية، وشارك فيها فنانون مثل المرحوم عبد المنعم الناجي، والفنان كافو الذي هاجر لاحقًا إلى هولندا، ولدي نسخ من بعض هذه الأشرطة التي تعود إلى نهاية ستينيات القرن الماضي.

 

 

 كيف كان المخرجون ينتقلون بين رغبتهم في الإبداع الفني وضغوطات التمويل والتوجه الرسمي للبلاد؟

 

في ليبيا، للأسف، لم يكن دعم المبدعين من أولويات المسؤولين دائمًا، مع أن الإبداع يحتاج إلى بيئة حاضنة تشجعه وتدعمه. أغلب المبدعين كانوا يعملون بإمكانات محدودة، ويحاولون التوفيق بين طموحاتهم الفنية وبين القيود المفروضة عليهم، سواء في التمويل أو التوجهات الرسمية.

إشكالية أخرى لا تقل أهمية، وهي مسألة الحفاظ على الموروث السينمائي والثقافي الليبي. فهذه الأعمال ليست ملكًا لأفراد بعينهم، بل هي جزءٌ من ذاكرة المجتمع الليبي وحقٌّ للأجيال القادمة، ولذلك من الضروري الحفاظ عليها وتوثيقها توثيقًا علميًّا ومنهجيًّا.

 

 

تحتفظ بعدد كبير من بوسترات الأفلام الليبية، والتذاكر، ما الذي يميز تلك البوسترات والتذاكر؟

 

في إطار اهتمامي بأرشفة الموروث الليبي، احتفظ بعدد كبير من البوسترات السينمائية، أغلبها لأفلام عُرضت في ليبيا في أوقات مختلفة من تاريخ البلاد. وعلى حد علمي، ربما تكون لدي واحدة من أكبر المجموعات الخاصة بالبوسترات والصور والمنشورات المتعلقة بالسينما الليبية.

تتنوع هذه البوسترات بين بوسترات ضخمة يصل طول بعضها إلى خمسة أمتار، مثل بوستر فيلم “عمر المختار”، إضافة إلى بوسترات نادرة لأفلام ليبية مثل “الطريق” و”المهاجرون” و”الشظية” و”تاقرفت”، وتضم المجموعة بوسترات لأفلام أمريكية وإيطالية صُورت في ليبيا أو عن ليبيا، إلى جانب مجموعة كبيرة من الصور والتذاكر الخاصة بدور العرض السينمائي في أوقات مختلفة من تاريخ ليبيا، وقد عرضت جزءًا من هذه المواد في شريط وثائقي عن تاريخ السينما في ليبيا، ثم إن لدي وثائقيًّا آخر لم يُنشر بعد يتناول تاريخ الإنتاج السينمائي الليبي وأهم المخرجين الذين ساهموا في هذا المجال.

 

 

عندما تبحث في تاريخ السينما الليبية، هل تشعر أنك تكتشف تاريخًا منسيًّا أم أنك تعيد كتابة ذاكرة بصرية مفقودة؟

 

في الحقيقة أشعر أن الأمر يجمع بين الاثنين، ففي كثير من الأحيان أكتشف مواد وأعمالًا كأنها صفحات منسية من تاريخنا الثقافي، وفي أحيان أخرى أشعر أنني أحاول إعادة بناء ذاكرة بصرية مفقودة.

على سبيل المثال: فيلم “في الطريق” بطولة يوسف الغرياني، وهو فيلم يستحق المشاهدة ضمن سياقه التاريخي، أحتفظ ببوستر لهذا الفيلم، لكن للأسف نسخة الفيلم موجودة لدى صديق، حاولت مرارًا شراءها لإضافتها إلى أرشيف مؤسسة تاوالت، لكن كل المحاولات باءت بالفشل. الفيلم من إخراج يوسف شعبان، وقصة أحمد الدرناوي.

عملت في السنوات الماضية على ترجمة عدد كبير من النصوص والدراسات القديمة المتعلقة بتاريخ السينما في ليبيا، وهي مواد منشورة بلغات مختلفة مثل الإيطالية والفرنسية، وبعضها يعود إلى سنوات مبكرة جدًّا من تاريخ التصوير والسينما في البلاد. هذه النصوص تتضمن مقالات صحفية، وتقارير عن تصوير أفلام في ليبيا، ووثائق تتعلق بدور العرض السينمائي والنشاط السينمائي في فترة الاستعمار الإيطالي وما بعدها.

وقد عملت على ترجمة هذه المواد بدافع الحفاظ على هذا الجزء المهم من الذاكرة الثقافية الليبية، لأن كثيرًا من هذه المصادر غير متاح للقارئ العربي أو الليبي. وما زالت هذه الترجمات حتى الآن غير منشورة، وأتمنى أن أجد جهة ثقافية أو مؤسسة علمية تتولى إصدارها في كتيب أو كتاب صغير يوثق البدايات الأولى للسينما في ليبيا، لأن هذه المواد تعد في رأيي لبنة مهمة لفهم تاريخنا البصري وتطور الإنتاج السينمائي في البلاد.

 

 

 

 

ما أكثر لحظة أو وثيقة صادفتها في أبحاثك عن تاريخ السينما الليبية وتركت لديك أثرًا خاصًّا؟

 

من أكثر اللحظات إثارة لي عندما عثرت على مجموعة من البوسترات النادرة لدى متجر في مدينة لوس أنجلوس. لم يكن صاحب المتجر يهتم بها كثيرًا، وكانت من بينها بوسترات وصور ومطويات لفيلم “شن تبي” الإيطالي الشهير الذي عُرض سنة 1928.

اشتريت هذه المواد كلها بثمن بسيط، لكنها لنا نحن الليبيين ذات قيمة تاريخية كبيرة جدًّا، لأنها جزء من تاريخنا البصري. الفيلم نفسه يُعد وثيقة عن الدعاية الفاشية الإيطالية في تلك الحقبة، لكنه صُوِّر في مناطق ليبية مثل تاجوراء وغدامس والصحراء، وبملابس ليبية، وشارك فيه ممثلون إيطاليون وبعض الكومبارس الليبيين.

 

 

 ما الفيلم الليبي الذي تعتقد أنه ظلم نقديًّا أو لم يأخذ حقه من الاهتمام؟

 

من دون شك فيلما “الشظية” و”تاقرفت” من أكثر الأفلام الليبية التي لم تنل ما تستحقه من اهتمام نقدي وإعلامي، مع ما تحمله من قيمة فنية وتاريخية مهمة.

 

 

هل المشكلة في صناعة السينما الليبية هي الإنتاج أم الرؤية أم البنية التحتية؟

 

يبدو أن المشكلة مزيج من عوامل عدة، ففي التمويل والبنية التحتية نقص، مع نقص في النصوص الجيدة أيضًا، وقد أشار إلى هذه النقطة المخرج المبدع أسامة رزق، الذي كان يبحث كثيرًا عن نصوص وسيناريوهات ليطلع عليها ويعمل على إنتاج بعضها.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: إنتاج مادة أدبية وسيناريوهات تنبع من الواقع الليبي وتعبر عن الموروث الليبي بصدق ووعي.

 

 

 

 

برأيك، ما الخطوة الأولى لبناء صناعة سينما حقيقية في ليبيا؟

 

الخطوة الأولى هي تشجيع الشباب وتأسيس نوادٍ ومدارس متخصصة في السينما، ليس على المستوى النظري فحسب، بل أن تنتج أفلامًا وتخرجها أيضًا، فالإمكانات التقنية اليوم أصبحت أبسط بكثير مما كانت عليه في الماضي، ويمكن توفيرها بسهولة.

ومن المؤسف أن مؤسسات الدولة تنفق أحيانًا ملايين على أمور قد لا تكون ذات أولوية، في حين يمكن توجيه جزء من هذه الموارد لدعم الإنتاج السينمائي.

السينما ليست مجرد وسيلة للفرجة، بل هي مثل كرة القدم أداة للتواصل والتعريف بالذات وبالثقافة وبالمجتمع.

 

 

إذا طُلب منك اختيار فيلم واحد يمثل لحظة صادقة في تاريخ السينما الليبية، أي فيلم تختار؟ ولماذا؟

 

نجد اليوم أفلامًا قصيرة من إنتاج شباب ليبيين واعدين تُعرض في مهرجانات خارج ليبيا، وبعضها -للأسف- لم يسمع به الليبيون أنفسهم؛ لذلك أتمنى أن تقام مهرجانات داخل ليبيا للتعريف بهذه الأعمال وتشجيع أصحابها.

ولا أود أن أخص اسمًا بعينه، لأن هذه التجارِب كثيرة، لكن المشكلة أن كثيرًا من صانعي هذه الأفلام لا يجيدون الترويج لأعمالهم، وهنا يأتي دور المؤسسات الثقافية المختصة.

 

اليوم، هل يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إحياء الأرشيف السينمائي الليبي؟

 

الذكاء الاصطناعي بلا شك سيحدث ثورة في مجال الإنتاج السينمائي! هذا العام في شهر رمضان، أخرجت عددًا من الحلقات القصيرة عن تاريخ علماء من شمال إفريقيا دون تصوير أي لقطة حقيقية، إذ أُنتجت بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

 

إصدار كوميك أمازيغي في ليبيا، المعنون بـ(تاريخنا)، ألا يعدّ مغامرة؟

 

نعم، لدي سلسلة كوميك بعنوان “تاريخنا” تتكون من أربعة عشر جزءًا، حصلت على الجائزة الأولى في مهرجان FIBDA في الجزائر بحضور عدد كبير من صناع الكوميك حول العالم، ولدي أيضًا تجربة سينمائية في مجال الرسوم المتحركة، فقد أنتجت في المغرب الأقصى فيلمًا لصالح الإذاعة والتلفزيون المغربي بعنوان “تاموكتيت ن أومالي” أي “ذاكرة الظل”.

الفيلم هو عمل رسوم متحركة مدته ساعة وثماني عشرة دقيقة، ويتناول حياة الملك يوغرطة ومقاومته للاستعمار الروماني، وقد لقي ترحيبًا كبيرًا في وقته وحصل على جوائز.

ثم إني أنتجت عددًا من الحلقات في مشاريع أخرى لم تُعرض بعد، منها سلسلة مغامرات جحا التي صُنعت بتقنية الكلَي ميشن (الرسوم بالصلصال)، إذ بنينا مدينة كاملة لتصوير العمل.

 

 

الكاتب:
خلود الفلاح