في غسقِ القاعات المظلمة، وبينما ينسلُّ شعاعُ الضوء مِن قلب آلة العرض ليصطدم بالشاشة البيضاء، تُولد عوالم متقلّبة الأصداء، وتُصاغ أقدارٌ لم تكن في موضع الحسبان لدى المُشاهد، نراها تارةً تتجاوزُ الخيال، وفي أحيان أخرى تشابُه الواقع وتتقاطع معه في قضايا شتّى، كُلُّ مشهدٍ فيها يضيف إلى ذهن المتلقي لوحة جديدة تُحفظ في إدراكه المعرفي، وفي أحيان كثيرة نجدها تربط بين شتات النفس البشرية وقضايا مُجتمعها على اختلافها.
في أيامنا هذه، لم تعد الأفلام مُجرّد صناعةٍ للترفيه، أو تزجيةً للوقت في عطلات نهاية الأسبوع، بل استحالت إلى كوكبٍ فكري استثنائي، بوصفها أداةً تربوية قادرةً على اختراق العقول والقلوب في آنٍ واحد، فالأفلام العصرية الحديثة خرجت من مشكاة السينما الأولى، تتجلّى فيها روح الفنِّ السابع بلمساتهِ القادرة على تحويل الظواهر الجافة والبيانات الصمّاء إلى نبضٍ محسوس ومشاعر، مما يجعلها الأداة الأقوى في يدِ المجتمع المدني لإعادة تشكيل الوعي الجمعي.
وكما نعرف فالعقل البشري بطبعه الميال للمحاكاة والتعاطف، يستجيب للصورة والدراما استجابةً لا يجدها في الخُطب الوعظيّة المُباشرة، إذ يكمن السرُّ في التماهي، لأنّنا في أحيانَ كثيرة نرى فيها نُسخًا مِن أنفسنا أو نُسخًا نتمنّى أن نكونها، ما يمنحنا فرصةً للبكاء حين نعجز عن الإفصاح، وفرصةً للبطولة حين نكون مُكبّلين بالخوف، فالفيلم لا يُحدِّثك عن مُعدّلات الفقر بأرقام إحصائية باردة، بل يجعلك تعيش تأوُّهات الجوع، أو انكسار أب لم يقدر على جمع فلسٍ واحد في نهاية يومه ليُطعم صغاره، أو ربما كفاح أم تقضي نهارها في أشغالٍ أزهقت ملامح يديها الناعمتين، هنا يتحوَّل المُشاهد مِن متلقٍ عاديّ إلى مُشارك وجدانيّ، ويرسخ في ذهنهِ الصورة التي يراها، وهي غالبًا ما تُحزنه أو تُضحكه؛ فتحفر بصمةً أبدية في ثنايا إدراكه.
وبذلك فإن قوة المحاكاة للأفلام تتغلب على نظيراتها مِن الفنون الأُخرى وأدوات التعبير، لا سيما في الأفلام الواقعية التي تُشبه بعضَ قصصنا اليومية، فحين نشاهد واقعًا يشبه واقعنا، أو نرى معاناة فئةٍ حقيقيّة مُهمّشة، فيكسر الفيلم جدار الآخر، ويخلق فينا حالةً من التماهي تجعل القضية قضيّة شخصيّة، تنتشلنا من دور المتفرج المحايد وتضعنا في قلب الحدث، هذا التورط الوجداني هو ما يحوُّل السينما من أداةٍ للترفيه إلى مرايا تضعنا أمام مسؤولياتنا تجاه القضايا العامة، فالوعي الحقيقي يبدأ من القلب ثم ينتقل إلى العقل، بالمشاهدة وما يتبعها من المؤثرات التصويرية وأداء الممثلين، وغير ذلك من الأدوات التي تكسر الحواجز النفسية، التي قد يضعها الإنسان ضدّ الأفكار الجديدة أو الجدلية، وتجعله ينظر إلى المشهدِ بعدسةٍ أوضح.
من جهةٍ أخرى، فقد ساهمت الأفلام في تنوير مؤسَّسات المجتمع المدني، وكأنَّها كتابٌ مفتوح يُرشد الأُمّي والمتعلّم، والصغير والكبير، إذ وُظّفت الأفلام لتكون أداة تَصهرُ القضايا على اختلافها في قوالبِ الدراما، لتخرج ثقافةً تسري في عروقِ المجتمع، تُعلمهم كيف يتنفسون الحرية ويصونون الحقوق، حتى تلك القضايا (المسكوت عنها)، التي تظلُّ حبيسة التابوهات وموضع كتمان، تأتي السينما لتكسرَ الصمت حولها، فتضعها على طاولة العرض، وتُشير إليها بدقّة، كقضايا العنف الأسري، وحقوق المرأة، و زواج القاصرات، والفساد الإداري، وغيرها من القضايا، فالفيلم هنا لا يُقدِّم حلولًا جاهزة بِقدْر ما يطرح أسئلة موجعةً تُجبر المجتمع على مراجعة تقاليدهِ الخاطئة على اختلافها.
فضلًا عمّا سلف، فإنّ التراث وحقبات الماضي المنسية، أُعيد إحياؤها على يد الأفلام التاريخية، في إعادة لقراءة الإنسان عبرَ مراحله، بين الحروب والأزمات، لتكون هذه الأفلام أداةً أساسية يتعرَّف فيها الشباب على نضالات أجدادهم، كما تُحقن الذاكرة الوطنية لديهم بجرعات من الاعتزاز بالهوية، مما يحميهم من ذوبان الوعي في زمن العولمة الجارفة.
توازيًا مع ذلك، فإن صورة واحدة لجليد يذوب في القطب الشمالي، أو لحيوان يصارع الموت بسبب التلوِّث البلاستيكي، تعادل في تأثيرها مئات المجلدات العلمية عن الاحتباس الحراري، وبذلك فإن الأفلام على أنواعها (وثائقي، علمي، …إلخ) تحوّل العلم من مُختبرات مغلقة إلى ثقافة عامة، تكونُ نقطةً فاصلةً في الذخيرة المعرفية لدى الإنسان، تُرشده في بعض الأحيان وتكون أساس قراراته، ليس خوفًا من القانون، بل إيمانًا بقدسية الحياة التي رآها تتجلى في عدسة المخرج، بعيدًا عن القولبة.
حتى مع هذه القوة الجبّارة، يواجه الفيلم التوعوي تحدّيات جسيمة تحدُّ من وصول رسالته، فالأفلام الهادفة غالبًا ما تفتقر إلى الدعم التجاري الذي تحظى به أفلام المقاولات والترفيه السطحي، ممّا يعيق وصول رسالتها، و في كثيرٍ من الأحيان، تصطدمُ الرؤية التوعوية بأسوار الرقابة السياسية أو الاجتماعية التي تخشى من يقظة الشعور، فلدينا فيلم (12 Years a Slave) المُقتبس عن قصّة حقيقية عن سلب الكرامة والعنصرية، الذي فاز بثلاث جوائز أوسكار، ولكنَّه واجهَ عقباتٍ كثيرة تتعلّقُ بالرقابة الاجتماعية والسياسية، بسبب الواقعية المفرطة في تصوير مشاهد التعذيب والجَلدْ، إذ إنَّ المُخرج (ستيف ماكوين) رفضَ تخفيف حدّة هذه المشاهد، لأنه يرى ذلكَ خيانة للتاريخ.
ومع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المشاهدة الرقمية، لم يعد الفيلم حبيس دور العرض، إذ يمكن بكاميرا موبايل محمول مقترنة بفكرة عبقرية أن توصل رسالة توعوية إلى الملايين في ثوانٍ، هذا التحول الديمقراطي في إنتاج الصورة، جعلَ مِن كلِّ مواطن في الكوكب صانِع محتوى سينمائي مُحتمل.
وهكذا فإنَّ الأفلام ليست مُجرَّد شخصيات تتمايلُ على شاشة العرض، بل هي سمفونية بصريّة تعزف على أوتار الوجدان، يتحول فيها الإطار الضيق إلى أُفقٍ يتَّسع ليروي عطشَ الخيال، فإذا كان العِلم هو عقلَ الأمّة، والسياسة هي حركتها، فإن السينما هي بلا شك ضميرها الحي وبوصلتها التي لا تُخطئ، وبذلك فإنَّ المجتمع المدني مطالبٌ اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى بدعم الأفلام على اختلافها، ليس بالتمويل فحسب، بل بتأسيس نوادي السينما والأفلام، وفَتحْ حوارات نقدية عمّا يُعرض، وتحويل المشاهدة من فعلٍ استهلاكي إلى فعلٍ تأمُّلي.