لم يكن ظهور دور العرض في ليبيا مجرد ترف، بل كان تحولًا اجتماعيًّا كبيرًا شكل وعي أجيال متعاقبة، إذ كانت السينما نافذة مفتوحة على العالم، عن طريق الأفلام المعروضة، وفضاء يلتقي فيه الناس على اختلاف طبقاتهم واهتماماتهم. ولم تكن هذه التجربة فردية، بل طقسًا جماعيًّا يوميًّا يتقاسمه أبناء المدينة، تمتزج فيه الدهشة الأولى بالصورة مع متعة الاكتشاف.

وفي خضم هذه الرحلة، لم تكن دور العرض مجرد مبانٍ تجارية، بل منصات للتعرف إلى جماليات السينما العربية والعالمية، وجزءًا لا ينفصل عن نسيج المدينة الاجتماعي، حتى غدت بوصلةً ثقافية جذبت أطيافًا متنوعة من المجتمع الليبي، وأسهمت في تشكيل ذائقتهم البصرية والوجدانية.

وهذا يقودنا إلى “سينما النصر” في بنغازي، الواقعة في منطقة الفندق البلدي، بوصفها مَعلمًا ثقافيًّا، إذ افتتحت عام 1967، قبل أن تُهدم في يناير 2022، وقد كانت وجهة لعدد كبير من سكان المدينة، وعُرضت فيها أفلام مهمة، من بينها العرّاب ودكتور زيفاجو، لتكون واحدة من الفضاءات التي صنعت ذاكرة سينمائية مشتركة بين الأجيال.

اليوم، حين أمرّ بجانب “سينما النصر”، لا يطالعني سوى صمت يغلف المكان؛ لقد هدمت جدرانُها وسُوِّيت بالأرض، غير أن بقايا الموقع تبدو وكأنها تحتفظ بأسرارٍ لم تعد تُروى، فبين زمنٍ كانت فيه الأضواء لا تنطفئ، وواقعٍ لم يبقَ منه سوى الفراغ، يمكن للذاكرة وحدها أن تعيد بناء ما اختفى. ولو اقتربت أكثر، لسمعت صدى خطوات مئات الأقدام التي توقفت عند شباك التذاكر، ثم امتدت نحو الممر المؤدي إلى القاعة الكبيرة، حيث كانت شاشة العرض تَعِدُ بمتعة وضحكات متواصلة. 

 

 

 

السينما جزء من تفاصيل الحياة 

في استعادة حميمة لذاكرة المكان، يعود الروائي سالم الهنداوي إلى سنوات الطفولة في مدينة بنغازي، حين لم تكن السينما مجرد وسيلة للترفيه، بل جزءًا حيًّا من تفاصيل الحياة اليومية. في هذه الشهادة، يرصد الهنداوي ملامح مدينة نابضة بالحركة، ويستعيد فضاءات دور العرض التي شكلت وعي جيلٍ كاملٍ، كاشفًا عن تداخل الخاص والعام في تجرِبة تختلط فيها الحكاية الشخصية بتاريخ المدينة الثقافي والاجتماعي.

وهنا يقول: سينما “النصر” وقبلها سينما “هايتي” و”الاستقلال” بجوارها، كانت من المحطات المهمة في حياتي وأنا صغير؛ فقد وُلدت في ذلك الحي “سيدي اخريبيش”، وكانت منطقة “الفندق البلدي” خلف شارعنا، تعج بحركة الناس صباح مساء، حيث تكثر المطاعم والمقاهي والفنادق الشعبية الصغيرة، ومحطات سيارات الأجرة، وساحات الكاروهات، والكراريس بين مَحَالّ تجارة الجملة في منطقة الفندق وشارع بوغولة وسوق الجريد، وهي المنطقة التجارية الخِصبة التي يرتادها التُّجّار من مختلِف المناطق، فهي قلب المدينة الصاخب بنداءات الباعة وزمامير العربات والحافلات.

ويتابع: في مطلع الستينيات، وأنا في سن التاسعة، كنت أبيع المحمّصات أمام “سينما الاستقلال” الواقعة أمام الفندق البلدي مقابل محطة حافلات “السلّاك”، وكان ذلك الزمن مفتوحًا بأعوامه الطويلة على بهجة الأيام ولياليها.. وكانت “سينما النصر” أحدث من سينما “هايتي” و”الاستقلال” اللتين شيّدتا في ثلاثينيّات القرن الماضي أو مطلع أربعينياته تقريبًا، كما يتضح من بنائهما الإيطالي، وهي التي شيّدت في منتصف الستينيّات بموقع محطة عربات “الكارو” و”كراريس” الحمير.

عند مدخل شارع الشطشاط أمام “قهوة العاشق” و”فندق بن غشير الشعبي، بُنيت سينما النصر لتتوسط هايتي والاستقلال على بعد أمتار منهما. وفي العام 1967 كان افتتاحها، لتكون من بين إحدى دور السينما التي يملكها المرحوم “الشعالي الخراز”، الذي تميّز في تلك الحقبة بإدارة عدد من دور الخيالة ومكتبات بيع الكتب والصحف والمجلات في بنغازي والمناطق المجاورة، لعل أهمها “مكتب الخراز” الذي كان بشارع عمر بن العاص. 

ويضيف الهنداوي: “تميّزت سينما النصر بعرض أحدث الأفلام العربية والأمريكية والهندية، لكن التنافس بينها وجارتيها لم يكن كبيرًا، ذلك أن معظم إدارات هذه الدور كانت تتعامل مع شركة “الجاعوني” لتوزيع الأفلام، وهي من أكبر شركات التوزيع على مستوى الشرق الأوسط، وأبرزها في القاهرة وبيروت”.

 

 

للذاكرة حكاية خاصة

يقدم الباحث عبد السلام الزغيبي شهادة حية عن تاريخ السينما في ليبيا، باستعادة ذكرياته الشخصية في مدن مثل بنغازي والبيضاء. ويجمع السرد بين التوثيق والحنين، كاشفًا عن أهمية دور العرض السينمائي في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي في مرحلة سبقت انتشار التلفزيون.

وأضاف: “كانت السينما، في زمنٍ مضى، المقصد الأساسي والوحيد لدخول عالم السحر والترفيه والمتعة، قبل دخول التلفزيون إلى بعض البيوت عام 1968، مع انطلاق البث التلفزيوني الليبي.

في بنغازي، آنذاك، انتشرت دور العرض السينمائي في وسط المدينة، وكان سكانها، إلى جانب القادمين من الأحياء القريبة والضواحي، يرتادونها باستمرار، لا سيما في يوم الجمعة وأيام العطلات الصيفية والأعياد والمناسبات. وكانت دور العرض تلك نظيفة ومنظمة، حتى الشعبية منها، بمقاعد مرتبة، وبعضها خصص أماكن للعائلات”.

ويتابع: من بين هذه الدور، برزت سينما البرنيتشي (دار عرض بنغازي) في شارع عمر المختار، التي اشتهرت بفخامتها، إذ بدأت على أنها مسرح وطني عام 1928 قبل أن تتحول إلى سينما. كما عرفت سينما ريكس في شارع الاستقلال، مقابل الحديقة العامة، بعرضها للأفلام الأجنبية، إلى جانب سينما النهضة في شارع فياتورينو، وسينما الحرية (المسرح الشعبي حاليًّا)، وسينما 9 أغسطس في ميدان البلدية، وسينما الشرق في الركينة، إضافة إلى سينما النصر، التي تحمل في الذاكرة حكاية خاصة. كانت هذه الدور تعرض أفلام هرقل ورعاة البقر، إلى جانب الأفلام المصرية. 

أما سينما النصر، التي افتُتحت عام 1967 بمنطقة الفندق البلدي، فقد استمرت في العمل حتى إغلاق معظم دور عرض المدينة في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تُهدم في يناير 2022، تاركة حزنًا عميقًا لدى سكان المدينة. اشتهرت هذه السينما بعرض أفلام الكاوبوي والأفلام الهندية والمصرية، وكان يقف أمامها رجل مسن يُعرف بـ”سي علي”، يبيع الشوكولاتة والبسكويت والمستكة والفول السوداني (الكاكاوية) للرواد.

ومن أكثر ما يلفت الانتباه، ملصقات الأفلام (الأفيش) المعلقة أمام شباك التذاكر، التي لم تكتفِ بعرض أسماء الأفلام وأبطالها، بل أضيفت إليها عبارات طريفة لجذب الجمهور، مثل: “فيلم عركة وطقش”، أو “فيلم رعب رهيب”، أو “فيلم إثارة وتشويق”، وغيرها من العبارات الشعبية الظريفة التي ساهمت في استقطاب المشاهدين.

هكذا تبقى هذه الذكريات عن السينما في ليبيا أشبه بحنين إلى زمنٍ غابر، تحمل في طياتها إشارات إلى التحولات التي طرأت على عالم الصورة والفن والمجتمع بأسره.

 

 

مرحلة التأسيس 

دخلت السينما إلى ليبيا مع مطلع القرن العشرين، وتحديدًا عام 1908 في مدينة طرابلس، قبل أن تمتد لاحقًا إلى بنغازي. وقد ارتبطت البدايات الأولى بدور عرض صيفية أو قاعات تابعة للجيش الإيطالي، مثل سينما “ترييستي” التي عرفت بكونها واحدة من الصالات الراقية، وقد كانت فضاء للقاء الثقافة الأوروبية بالثقافة المحلية في ظل وجود الجاليات الأجنبية والإدارة الإيطالية. وفي السياق ذاته برزت سينما “إيدن” بوصفها واحدة من أشهر دور العرض في بنغازي، إذ عُرفت بتنوع برامجها وكانت وجهة مفضلة للعائلات.

وفي خمسينيات القرن الماضي وستينياته، شهدت ليبيا ما يمكن وصفه بـ “الانفجار” في عدد دور العرض وتنوعها، خاصة في مدينة بنغازي، فقد توزعت الصالات في قلب المدينة، وبرزت آنذاك سينما “النصر” إلى جانب دور أخرى مثل “البرنيتشي” و”ريكس” و”النهضة”، وقد تميّزت هذه المرحلة بارتباط السينما بالحياة اليومية، إذ أصبحت الأفلام المصرية والعالمية وسيلة للتواصل مع ثقافات أخرى، ومصدرًا للمعرفة، حتى غدت السينما مؤسسةً تعليميةً غير رسمية.

أما في السبعينيات والثمانينيات، فقد شهدت دور العرض مرحلة التأميم والتحولات السياسية، فانتقلت ملكيتها إلى الدولة، ما أثّر على طبيعة الأفلام المستوردة وأساليب الإدارة. وفي ذلك الوقت بدأت السينما تواجه تحديات جديدة، تمثلت أولًا في انتشار التلفزيون، ثم ظهور أجهزة الفيديو، وهو ما أدى تدريجيًّا إلى تراجع الإقبال الجماهيري.

وفي التسعينيات وما بعدها، دخلت السينما في ليبيا مرحلة ركود حاد، تعدّ الأقسى في تاريخها، فأُغلقت معظم دور العرض التاريخية نتيجة الإهمال أو تغيير أنشطتها التجارية، فضلًا عن الأضرار التي لحقت ببعضها بسبب الصراعات، لتغيب بذلك عن المشهد الثقافي بعد أن كانت أحد أبرز ملامحه.

وفي خضم هذه الرحلة الطويلة، بين الضوء والعتمة، لم تكن “سينما النصر” مجرد مبنًى، بل كانت القلب النابض لمنطقة الفندق البلدي، والمكان الذي اختزل بمفرده صعود الحلم السينمائي وهبوطه في بنغازي. 

 

 

أبي فوق الشجرة

عام 1967، بدأت تتشكل علاقة سالم الهنداوي الخاصة بالسينما، لا على أنه مشاهد فقط، بل بوصفه جزءًا من عالمها اليومي، وهنا يقول: “كان عمري حينها اثنا عشر عامًا، ودون صِبْيان المنطقة كان لي فرصة العمل مع جابي الإيرادات في السينما، وبعدها أخذت موقعًا مهمًّا أمامها لبيع المحمّصات واللبان والشوكولاتة، ثم حصل أبي على إذنٍ لتصميم محطة للدراجات الهوائية ملاصقة لجدار السينما جهة أبواب الخروج الجانبية بشارع الشطشاط، فأدرت المحطة مع أخي عبد الرحيم متناوبين عليها حتى الجولة الأخيرة منتصف الليل، لينتهي نشاطنا مع سينما النصر مطلع العام 1970، وكنت قد بلغت سن الخامسة عشرة” . 

ويضيف: من الطرائف أنه ذات مناسبة عيد، اضطرت المقاهي إلى قفل نصف أبوابها وأغلقت الطريق بسبب الازدحام والتدافع على ثلاثة أفلام كانت عَرَضَتْهَا دور العرض الثلاثة، فسينما هايتي عرضت الفيلم الهندي “من أجل أبنائي” فغصّت السينما بالجالية الهندية والباكستانية. 

وعرضت سينما الاستقلال الفيلم الإيطالي “المصارعون العشرة” فغصّت السينما بالشباب والفتيان لمشاهدة مغامرات الأبطال “روتشا والقزم والبكّوش”، فيما عرضت سينما النصر الفيلم المصري “أبي فوق الشجرة” فغصّت السينما بالمراهقين من الشباب وكبار السن الذين طوال عرض الفيلم لعشرة أيام كانوا يحسبون عدد القُبلات بين عبد الحليم وناديا لطفي، ليختلفوا بين المائة والمائة وواحد قبلة.

ويختم: “كان اللافت في ذلك الزمن هو البوستر الملوّن الكبير المعلّق على جدار السينما لعبد الحليم وهو يقبّل ناديا لطفي في جرأة حرمت العائلات في النهار من المرور من أمام السينما، في حين كان البوستر وليمة شغف للشباب بالدخول ومشاهدة الفيلم أكثر من مرة!”. 

 

 

أفلام طرزان وهرقل وشمشون

وفي امتداد لهذه العلاقة التي تجاوزت حدود المشاهدة، أخذت السينما تتقاطع مع تفاصيل العمل والحياة اليومية، لتفتح أبوابًا أوسع للتعرف على عالمها. يقول عبد السلام الزغيبي: بحكم عملي في مكتبة الوحدة العربية، الواقعة أمام السفارة الإيطالية بشارع عمرو بن العاص، في العطل الصيفية، كان يتاح لي، مع بقية العاملين، دخول السينما مجانًا، ومنها سينما النصر وغيرها من دور العرض التابعة للسيد الشعالي الخراز، الرجل العصامي الذي جمع بين العمل الثقافي والتجاري، وامتلك عددًا من دور العرض في بنغازي، منها سينما الحمراء بسيدي حسين، وسينما الفردوس بالمحيشي. واستمر نشاطه حتى تأميم الأنشطة التجارية، فآلت ملكية المكتبات إلى إدارة الصحافة والنشر، ودور عرض السينما إلى إدارة الخيالة. ولم تقتصر السينما على بنغازي، بل انتشرت في مدن ليبية أخرى مثل طرابلس ومصراتة ودرنة وطبرق وإجدابيا.

ويتابع الزغيبي: في مدينة البيضاء، الواقعة في الجبل الأخضر، شرق بنغازي، وُجدت حتى بداية السبعينيات ثلاث دور عرض، أقدمها في السوق القديم، قرب مقام سيدي رافع الأنصاري، وعُرفت باسم “سينما بوغندورة”، نسبة إلى مالكها عضو مجلس الشيوخ في العهد الملكي، ثم إن الوزير محمد بوربيدة افتتح سينما أخرى خلف البريد الرئيسي، عُرفت بـ “سينما بوربيدة”.

وفي أثناء إقامتي في البيضاء أواخر السبعينيات، كنت أتردد مع زملائي في معهد الاتصالات على سينما “أبوحليمة”، نسبة إلى صاحبها علي أبوحليمة الدرسي وشريكه بعيو. كانت سينما “أبوحليمة” تعرض أفلامًا أمريكية حربية، وأفلام كاوبوي إيطالية، إلى جانب أفلام طرزان وهرقل وشمشون، وأفلامًا عربية تجمع بين الفكاهة والصراع، من بطولة فريد شوقي ومحمود المليجي، فضلًا عن أعمال فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، ونوادر إسماعيل ياسين.

ويضيف: “كانت تذاكر الدخول في متناول الجميع، مع تخفيضات للطلبة، بل وكان يُسمح أحيانًا بالدخول مجانًا لمن تأخر عن بداية العرض، أو لمجموعة يدفع بعضها فقط، بحكم العلاقات الاجتماعية الوثيقة. وكان بإمكان المشاهد البقاء حتى إغلاق السينما والتنقل بين الطابقين، بل إن بعضهم كان يغفو على المقاعد. كما كان مسموحًا بإدخال الطعام والشراب”.

 

 

ضجيج الحكايات

ليست السينما في ليبيا مجرد وسيلة ترفيه، بل هي جزء مهم من الذاكرة الاجتماعية والثقافية، ومرآة لتحولات المجتمع وتطلعاته، حتى مع التراجع الكبير في الإنتاج السينمائي، لا تزال شهادات من عاشوا تلك التجربة تحتفظ بوهجها، وتكشف عما كان يمكن أن تكون عليه السينما الليبية لو حظيت بما تستحقه من دعم واهتمام.

إن الحديث عن دور العرض السينمائي اليوم لا يعني إحياء صناعة فنية فحسب، بل استعادة جزء من التاريخ الثقافي، وفتح نافذة أمام الأجيال القادمة للتعرف إلى ذاكرتهم وهُويتهم عبر الفن السابع، فبين صمت دور العرض التي أُغلقت، وضجيج الحكايات التي ما زالت تُروى، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لدور العرض الليبية أن تستعيد ضوءها من جديد؟

 

 

الكاتب:
خلود الفلاح