عقودٌ طوال والسينما الليبية تقفُ مُقيّدة على حافة الذاكرة، تُراوح مكانها بين رسالةٍ لم تكتملْ فصولها، ولوحةٍ تنتظرُ حضورها خلف العوائق الشاهقة، وفيما كان العالم يُشيّد القصور للسينما، كانت البنية التحتية السينمائية الليبية تتآكل بشدة بين جدران الإهمال، عدا عن تأثير عوادي الزمن والسياسة. و في ذروة هذا الانكسار الضوئي، انبثقَ شعاعٌ من رحمِ الصفر والواحد، ليُعلنَ أنَّ السينما ليست كيانًا مُرتهنًا للقوالبِ الصمّاء، بل خيالٌ يحمل في جعبتهِ قصصًا لا تنتهي، متشبثةً بالسينما الرقمية لتكون طوق نجاة لها، يعبر به المُبدع الليبي مِن ضفّة الغياب إلى ضفّة الوجود.

 

​يومًا ما، كانت دور العرض في ليبيا مناراتٍ تضيء ليل المدن، بين أنظار سكان العاصمة (طرابلس) في القرن العشرين، أبرزها سينما (أوديون)، التي كانت تستضيف الاحتفالات الكبرى والموثّقة بالصور في صحيفة (طرابلس الغرب)، وفي كتبٍ عديدة، ككتاب الأديب أحمد الفيتوري (ليبيا التي رأيت، ليبيا التي أرى)، أحد أكثر الكُتَّاب تتبُّعًا لذاكرة المدينة، إذ وصفَ في سطوره بدقّة كيف كانت أوديون كالرئة التي تتنفس منها طرابلس، ويتحدث عنها وكأنها جزء من مدرسة مدنية، وأنَّ الفيلم آنذاك كان يوازي في أهميته الكتاب والجريدة، ففي صالة أوديون الساحرة، لم يكن المشاهد يستهلك فيلمًا فحسب، بل يضيف إلى ذاته قيمًا عصريّة استثنائية. 

 

كذلك ذكر الفيتوري في كتابة (سينما النصر، أو سينما أبولو)، وهي واحدة من أعمدة الذاكرة السينمائية في طرابلس، وقد تعرّضت لحريقٍ ضخم في أواخر الثمانينيات، عدّه الكثير من الأدباء -ومنهم أحمد الفيتوري- موتًا رمزيًّا لعصر السينما الذهبي في ليبيا.

 

من جهةٍ أخرى، كانت ليبيا مُنفتحةً على الإنتاجات السينمائية العالمية، وقد استدرجت كاميرات المخرجين العالميين لتخليد تضاريسها الفريدة ومدنها الأثرية، كفيلم الرسالة The Message, 1976))، للمخرج العالمي السوري الأميركي (مصطفى العقاد)، مع أن التصوير بدأ في المغرب، فإن الجزء الأكبر والأهم من الفيلم بنسختيه العربية والإنكليزية استُكمل في ليبيا، إذ استُخدمت فيافي الصحراء الليبية لتصوير المعارك الكبرى، كذلك فيلم (أسد الصحراء: Lion of the Desert, 1981) الذي صُّورت أغلب مشاهده بين بنغازي والجبل الأخضر والصحراء، إذ يعد هذا الفيلم استثمارًا في جغرافيا الذاكرة، وكأنّها مسرحٌ عالمي.

 

ومع تصدُّع أركان الصَّرح، وجدَ المخرجُ الليبي نفسه أمام جدارٍ مسدود، بعيدًا عن الدعم، في فجوة إنتاجيّة كبيرة، إذ انطفأَ فتيلُ التحميض الذي كان يمنح الخيال جسدًا مرئيًّا، لتتوقّف معه نبضات الإنتاج المحلي، خلفَ جدران الصمت، حيث أكلتهُ أنياب الحرب والاستثمار. ومن هذا المُنطلق، لم تعد الرقمنة مجرَّدَ خيارٍ تقنيٍّ، بل استحالت إلى فعلِ مقاومة، أو بالأحرى أضحت عمليّة إنقاذ للسينما الرقمية الليبية، كسرت احتكار النخبوية والمال، وحوّلت الكاميرا من وحشٍ تقنيٍّ يحتاج إلى ميزانيات دول، إلى أداةٍ طيّعة في يدِ الفئة الطامحة. 

 

وفي ظل انحباس الدعم خلف أسوار البيروقراطية الرصينة، وعجز المنظومة المؤسسية الليبية عن احتضان الرؤى الفنية، يستطيع المبدع الليبي مِن قلب (غات) أو من أزقّة (طرابلس) القديمة، أن يصوّر بكاميرا رقمية احترافية، أو حتى بهاتفٍ ذكيٍّ، فيلمًا عبقريًّا يُنافِس الآخرين في أكبر المهرجانات الدولية، مُتجاوزًا مُعضلة التوزيع، ففي ظلِّ غياب صالات العرض، منحَت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، شُبّاك تذاكر عالمي ومجاني للفنان الليبي، ليعبر بأثره حدود الجغرافيا الضيقة، ويجد طريقه إلى وجدان جمهور عالميٍّ مترامٍ، توحدهُ شاشات المنصّات الرقمية في فضاء كوني واحد.

 

وعلى صعيد موازٍ، لم تعد الحاجة ضرورية لأستوديوهات ضخمة، فالمونتاج يكون على حاسوبٍ محمول، وتصحيح الألوان باتَ مُتاحًا ببرمجيّات ذكية، ممّا يعوّض النقص الفادح في المُختبرات السينمائية، إضافة إلى تجاوز القيود العتيقة التي لطالما كبّلتْ مسارات الإنتاج، فقد منحَ الفضاء الرقمي المُبدع الليبي متنفسًا حُرًّا، بعد أن ضاقت به دهاليز الوصاية الرسمية، مُعتمدًا على ميزات عديدة كالـ(CGI)، والخُدع البصرية الرقمية، ممّا زاد مِن فُرص المخرج الليبي في إعادة بناء مُدن دمَّرتها الحروب، والسفر في أعماق التاريخ الليبي المنسي.

 

​وبذلك فإن السينما الرقمية هي فُرصة حقيقية لإعادة صياغة الهوية البصرية الليبية، لا سيما أنَّ الشعب الليبي يمتلك مخزونًا حكائيًّا هائلًا، من أساطير الطوارق في الجنوب، إلى قصصِ البحّارة في الشمال، وكلُّ ما يحتاج إليه المخرج هو هذا (الوسيط الرقمي)، لنقل عظيم خباياه وحكاياه إلى العالم، فالسينما بجميع أبعادها على اختلافها، ليست ما نراه بالعين فقط، بل ما نتخيّلهُ خلفَ الجفون، والرقمية هي الأداة التي تحوُّل هذا التخيّل إلى حقيقةٍ ملموسةٍ.

 

على الضفّة المُقابلة، ​لا يمكننا الإفراط في التفاؤل دون الالتفات إلى العقبات الواردة، فالسينما الرقمية وإن كانت توفّر المُعدَّات، فإنها لا تُعطي الفِكر السينمائي وآلية التعامل مع تطوُّرات العصر، ما يُوجب تعليم الشباب تقنيات المونتاج الرقمي المختلفة، وهندسة الصوت الحديثة، إضافة إلى حماية حقوق الملكية الفكرية في الفضاء السيبراني؛ لضمان استدامة الإنتاج.

 

في الحقيقية، إنّ السينما في ليبيا ليست ترفًا، بل هي ضرورة وجودية تقتضيها مرحلة ترميم الذاكرة الجمعية والنسيج الاجتماعي، حتى مع غياب مستلزمات البنية التحتية، وعلى مرارتها، مَنحتْها ميزة البداية من حيث انتهى الآخرون، فالسينما الليبية اليوم لا تفتقرُ إلى بناء دور عرض كلاسيكية بآلاف المقاعد، بل يُمكنها ابتكار سينما جوّالة، و فضاءات عرض مفتوحة، على المنصات الرقمية التي تحطُّ رحالها في قلب بيت المشاهد.

 

​ختامًا، إنَّ عظمةَ السينما في ليبيا لم تكن يومًا رهينةَ المقاعدِ المخمليّة، بل هي ابنة الروح التي لا تُهزم، والشغف الذي يُطوِّع العدسة، واليوم، وفيما تغيب البنية التحتيّة التقليدية، تشرعُ السينما الرقمية أبوابًا لا نهاية لها، لعقولٍ لا تعرف الحدود، ولأماكنٍ أُعيد ذِكرها مِن جديد، كي تبقى نابضةً بالحياة، ومُستمرّة بكتابة تاريخها بمدادٍ من نور. 

 

 

الكاتب:غنوة عباس