في إحدى المرات، دار بيني وبين شقيقي نقاشٌ مطوّل عن رفض بعض البشر للتطور التكنولوجي، وعدّه سببًا مباشرًا للانحلال الأخلاقي وضياع الوقت وفساد الأجيال، بل ومحاولة البعض إثبات قدرتهم على الاستغناء عن مواقع التواصل؛ وكأن في ذلك نوعًا من التفوق الأخلاقي! كان هذا الموقف في نظري مثيرًا للاستغراب؛ لأن التكنولوجيا، في جوهرها، ليست أكثر من أداة، والأدوات لا تُدان لذاتها، بل تقيّم بناءً على طريقة الإنسان في استخدامها، فاختزال مشكلات جيل كامل في وجود التكنولوجيا هو تبسيط مخلّ، يتجاهل البنية الأعمق للأزمة: كيف نستغل هذه الأدوات؟ وما القيم والمعايير التي توجه هذا الاستخدام؟

 

 

يبدو الحديث عن أن وسائل التواصل أو التطور التقني سببٌ مباشر لتشتت الأجيال حديثًا ناقصًا؛ لأنه يتعامل مع النتيجة بدل تحليل الآليات، فكيف يمكن أصلًا معالجة مشكلات عصرٍ ما برفض أدواته؟ هذا يشبه محاولة فهم العالم دون لغته!

هذا المنطق ذاته يمكن إسقاطه على موقف المجتمع من السينما، فالمشكلة لم تكن يومًا في السينما التي هي فن، بل في الصورة التي ارتبطت بها اجتماعيًّا في بعض المجتمعات مثل ليبيا، ففي أوقات معينة ارتبطت دور العرض بسلوكيات أو بيئات لم تكن مقبولة لدى بعض فئات المجتمع، فعُمّم هذا الرفض ليشمل الوسيط نفسه، وهو شكل السينما التقليدية، التي تتمثّل في كونها مجرّد قاعة بكراسٍ وشاشة عرض وكشك للتذاكر!

هنا يتجلى ما يمكن تسميته بـالوصم الثقافي، وهو حكمٌ كليّ على أداة معينة بسبب سياق جزئي، لم يعد من تمييز بين المحتوى الذي يُعرض، والمكان الذي يُعرض فيه، ولا بين التجربة الفنية ذاتها وما قد يحيط بها من ممارسات أخرى.

إن هذا الخلط ليس مجرد سوء فهم اجتماعي، بل هو مصادرة صامتة لحق ثقافي كفلته المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والخطورة أن هذا الحرمان لم يُفرض بقرار يمكن الاحتجاج عليه، بل تسلّل عبر وصم ثقافي صامت حوّل غياب السينما إلى حالة طبيعية.

ومع مرور الوقت، تعمّق هذا الانفصال؛ فعندما تختفي دور العرض وقتًا طويلًا، لا يعود غيابها محل تساؤل وفِقدان، بل يتحول إلى حالة طبيعية، فينشأ جيل كامل لم يدخل قاعة سينما قط، ولم يختبر تلك التجربة الجماعية التي تُعدّ جزءًا من الوعي الثقافي في مجتمعات أخرى.

هذا الجيل لا يرفض السينما بالضرورة، لكنه ببساطة لا يراها ضمن خياراته اليومية، ولا يشعر بأنها شيء مهم يحتاج إلى أن يقاتل لاستعادته، فالغياب هنا لا يُنتج موقفًا، بل يُنتج فراغًا!

لكن المفارقة اللافتة أن هذا الغياب يتعايش مع استهلاك كثيف جدًّا للأفلام عبر الإنترنت، فالناس يشاهدون ويتابعون ويتأثرون، بل ويكوّنون ذائقة سينمائية! لكن خارج الإطار التقليدي للسينما المعروفة، وهذا يكشف بوضوح أن المشكلة أبدًا لم تكن في تقبّل الفن، بل في شكل تقديمه!

السينما لم تختفِ من حياة الناس كلّيًّا، بل غيّرت وسيلتها فقط، وهنا تحديدًا تبرز السينما على المنصات والفضاءات المفتوحة، لا لكونها بديلًا مؤقتًا فحسب، بل على أنها تحول نوعي يعيد تعريف علاقة صانع الفيلم بالجمهور أيضًا.

في رأيي، حتّى وإن بدا هذا الأمر محزنًا بسبب اختفاء السينما الذي يعني اختفاء تجرِبة فريدة وأساسيّة في حياة الأفراد، فإنّ هذا التحوّل الذي حرّر السينما من كونها رهينة القاعات المظلمة والشاشات الضخمة، جعلها تجربة مرنة، شخصية وجماعية في آنٍ واحد، ويمكن الوصول إليها من أي مكان.

عندما تخيّلت هذا التحوّل، قررت البحث عن آثاره المحتملة على واقع صناعة الأفلام في ليبيا، فاكتشفت أن السينما عبر المنصات والفضاءات المفتوحة لا تأتي لتعويض غياب دور العرض فقط، بل لحل المشكلة من جذورها؛ فالأزمة في ليبيا لم تكن في غياب السينما أي المكان، بقدر ما كانت في غياب التجرِبة نفسها، فمع إقفال دور السينما سنوات طويلة، لم نخسر مكانًا للعرض فقط، بل خسرنا معه علاقة الجمهور بالفيلم وتراكم الخبرة واستمرارية الإنتاج!

أما لصانع الفيلم الليبي، هذا التحول يعني أنه لم يعد محتاجًا لإحياء نموذج قديم لم يعد موجودًا في ليبيا أصلًا، أو أن يحارب منظومة كاملة ترفض رؤية السينما إلا على أنها خطر يهدد تماسكها؛ بل حينها يمكنه أن يبدأ من نقطة جديدة كليًّا، فبدل أن ينتظر عودة دور العرض ليصنع فيلمًا كاملًا وفق شروط تقليدية، يمكنه أن يعمل داخل بيئة مرنة ومفتوحة تسمح له بإعادة تشكيل تجربته تدريجيًّا، وبهذه الطريقة، تعود الحياة إلى السينما، حتى في غياب مؤسساتها.

بل ويمكنه أن يبدأ بما هو متاح فعلًا، لا بما هو مثالي، وأن يرى في الهاتف والكاميرا البسيطة نقطة انطلاق حقيقية، لا عائقًا! ثم إن الفضاءات غير التقليدية، مثل مواقع التواصل، لم تعد مجرد وسيلة عرض، بل أصبحت منصات اختبار وبناء جمهور وتشكيل هُوِيَّة فنية، لمن يجرؤ على استخدامها بوعي واستمرارية.

إن هذا التحول لا يقدّم لصانع الفيلم الليبي مجرد حلول عملية فقط، بل يمكن أن يعيد تشكيل طريقته في التفكير الإبداعي من الأساس، والأهم من ذلك أنه يزرع لدى صانع الفيلم عقلية الاستمرارية ومحاولة خلق البدايات بدل انتظار الظروف المثالية، فينتقل من كونه مجرّد متلقٍّ للفرصة إلى صانعٍ لها، وفي غياب أرشيف سينمائي مؤسساتي واضح، تتيح هذه البيئة تراكمًا تدريجيًّا لذاكرة بصرية ليبية تُخلق من تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما يعزّز حضور القصص المحلية التي كانت مهمّشة، حينها يمكن أن تتحول الخصوصية المحلية من نقطة ضعف إلى مصدر تميّز حقيقي!

وهنا تحديدًا، لا يصبح غياب الدعم سببًا للتوقف، بل دافعًا لإعادة تعريف معنى الإنتاج نفسه، إذ يمكن للفيلم أن يولد ويتطور وينتشر دون انتظار اعتراف رسمي أو تمويل كبير! 

في النهاية، يتضح أن المشكلة لم تكن يومًا في التكنولوجيا، ولا في السينما، بل في طريقة تعاملنا معهما! فالرفض المطلق والخوف من التجربة وانتظار البداية المثالية؛ لا يحل الأزمات، بل يؤجل فهمها، أما الاستيعاب الواعي فهو ما يفتح الباب لإعادة توظيف الأدوات لمصلحتنا، والحصول على ما سعينا له دائمًا.

وبين سينما غابت قاعاتها ونَسي الناس شعور كراسيها، وسينما وُلدت على الشاشات الصغيرة في بيئة مختلفة؛ تقف لحظة مهمة تمنحنا فرصة لإعادة التفكير، ليس في ما نرفضه، بل في كيفية استخدام ما نملكه.

 

الكاتب:يقين الأنقر