عندما انتفض الشعب الليبي واقشعرّت أبدانهم غضبًا على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مشهد واقعي من دراما رمضانيّة مضحكة؛ تساءلت للمرّة المليون: إن كان للتمثيل الرديء قدرة على جعل شعبٍ ينهض ولا يقعد، لمَ لم تستغل المؤسسات المجتمعية والمدنية هذه الأداة لمناقشة قضايا تُهلك المجتمع؟
إن كان هذا شعبًا يخاف من السينما التي تخدش حياء المجتمع، ويحبّ أفراده عَلك الفضيلة في أفواههم حتّى تفقد طعمها؛ ألا يجعل هذا السينما في ليبيا أداةً أقوى من غيرها في صناعة التغيير عبر نظريات الصدمة؟
بكلمةٍ واحدة تستطيع جعل شعبٍ يفور ويفور بلا توقف، وبمشهدٍ تمثيليٍ واحد تصبح مواقع التواصل مرتعًا للمتحذلقين والمحللين، أليس أمرًا يسهل تنفيذه.. لمَ يبدو صعبًا؟
هل كنتم تعلمون أن هناك قانونًا تم تشريعه في كوريا الجنوبية بسبب فيلم؟ حتّى أنه سمّي باسم الفيلم!
فيلم Silenced/ Dogani الكوري الصادر عام 2011، والذي استند إلى أحداث حقيقية في مدرسة للأطفال الصمّ في مدينة جوانجو، حيث تعرّض الطلاب لاعتداءات جنسية على مدار سنوات في الخفاء، وقبل صدور الفيلم، كانت القضية معروفة بين الناس، لكن الفيلم أثار غضبًا واسعًا في الشارع الكوري بسبب تصويره الصادق للمعاناة وسوء تعامل النظام القضائي مع الجناة.
لم تكن قضية المدرسة شيئًا خفيًّا فضحه الفيلم، بل كانت قضية معروفة نشرها الإعلام، ولكنّ معالجة الفيلم لها، وطريقة طرحها بالمشاعر جعل الناس تشعر وكأنّهم يسمعون بها للمرّة الأولى!
وعلى إثر الفيلم، وبعد إصداره بشهرٍ واحد، أقرّ البرلمان الكوري قانونًا جديدًا يعرف باسم “قانون Dogani”، ألغى فترة التقادم لجرائم الاعتداء الجنسي على القُصر وذوي الإعاقة، ورفع العقوبات القصوى على الجناة!
فيلم واحد فقط، ساعتين انفقها الشعب الكوري في مشاهدته، دفعت بهم لتغيير القانون وسنّ التشريعات وصيانة الحقوق وصناعة التغيير!
قوة الأفلام وتأثيرها العصبي على الإنسان:
لا يمكن فهم تأثير الأفلام على المجتمعات دون الإشارة إلى الأسس العصبية والنفسية لهذا التأثير، فالتفاعل العاطفي الذي يظهره الجمهور تجاه مشهد درامي ليس مجرد انفعال سطحي، بل هو نتيجة تفعيل آليات عصبية متقدمة داخل الدماغ البشري.
لأننا عندما نقول أن المشاهد تأثر بالمشهد، فنحن نشير إلى المحاكاة العصبية (Neural Simulation)، حيث تنشط الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons)، مما يجعل الدماغ يعالج المشهد كما لو كان تجربة شخصية مباشرة، وهذا يفسر استجابة المشاهدين لمشاهد العنف أو الظلم الاجتماعي أو المعاناة الإنسانية بشعور حقيقي من الألم أو الغضب، رغم علمهم بأنها مجرد تمثيل!
وهنا تكمّن القوة الحقيقة للسينما باعتبارها أداةً للتغيير.
دور المؤسسات غير الحكومية في استغلال هذه الحقيقة لتغيير الواقع:
المؤسسات المجتمعية، بما تمتلكه من استقلالية ومرونة وقدرة، تستطيع استثمار وسائل الإعلام المرئية والأفلام لتشكيل الوعي الجماهيري، وتوجيهه نحو مسارات التغيير الإيجابي، لأننا كما قلنا سابقًا، القوة الحقيقية للسينما تكمن في قدرتها على النفاذ إلى العواطف والضمير، لتجعل الفرد يشعر ويتفاعل ويعيد النظر في مواقفه وسلوكه.
عندما تدرك هذا المؤسسات أن قوة السينما لا تكمن في قدرتها على العرض فقط، بل بقدرتها على تحريك المشاعر وتحفيز الفكر وإعادة تشكيل المواقف؛ سيستغلونها لتصبح أداةً قادرة على تحويل التعاطف الفردي إلى وعي جماعي، ومن ثم إلى أفعال ملموسة تسهم في تطوير المجتمع وتعزيز القيم الأخلاقية والاجتماعية.
شخصيًا لا أرى دورًا مهمًا لهذه المؤسسات أكثر من صناعة هذا الأثر، فالدور الجوهري لهم هو قدرتهم على خلق بيئة صالحة عبر التحكم في عملية السرد، وذلك عبر إعادة صياغة القضايا الاجتماعية بطريقة تجعل الجمهور يتفاعل معها بعمق، ويعيش التجربة، ويصبح جزءًا من التغيير.
فالأفلام، حين تُوظف بذكاء، ليست مجرد وسيلة لإمتاع المشاهد، بل أداة حقيقية لصناعة وعي جديد، ودفع المجتمع نحو مستقبل أكثر عدالة واستدامة.
ولأن التجربة لا تكتمل إلا حين تجد طريقها إلى الجمهور؛ لا يجب أن تُقيّد المؤسسات نفسها بالنموذج التقليدي للسينما، بل تعيد تعريف فضاء العرض إلى قاعة صغيرة أو مركز ثقافي، في الجامعة أو حتى على شاشة الهاتف.
أنا هنا لا أهمّش أهمية وجود دور سينما حقيقية، ولكن لأنّنا نعلم جيدًا أن كل شيء يبدو صعبا في هذه البلاد، حتّى مع وجود محاولات حقيقية! يجب علينا ألّا ننتظر وجود صورة مثالية لكل شيء، لأن البداية وإن كانت ناقصة ومشوهة، أفضل من لا شيء!
ولأن دور المؤسسات لا يتمثل في فرض وجود السينما بقرار مباشر من الدولة مثلا! أو بمحاولة الضغط العنيف على المؤسسات الرسمية، بل في خلق بيئة تجعل هذا الوجود ضرورة؛ عندما يتكوّن وعي مجتمعي واسع بضرورة وجود السينما، وعندما يتحول المحتوى المرئي إلى جزء من النقاش العام، يصبح من الصعب تجاهله، وهنا، يأتي التغيير من الأسفل إلى الأعلى، من المجتمع إلى المؤسسات الرسمية في الدولة، لا العكس.
ختامًا: نحن لا نعيش أزمة قضايا، بل أزمة أدوات!
القضايا موجودة، ولكن لا تزال طرق معالجتها تقليدية ومباشرة ومحدودة التأثير؛ تُقال الكلمات وتُكتب المنشورات وتُلقى المحاضرات؛ ثم لا يتغير شيء!
لأن الإنسان لا يتغير بما يُقال له، بل بما يشعر به، وهنا تحديدًا تظهر قوة السينما، لأن الفكرة ليست في أن الفيلم يشرح المشكلة، بل في أنه يجعلك تعيشها، يجعلك ترى بعينٍ ليست عينك، وتشعر بقلبٍ ليس قلبك، يضعك داخل التجربة بدل أن يضعها أمامك، وهذه المسافة، بين أن ترى وأن تعيش، هي كل الفرق!
وعندما تقبض المؤسسات المجتمعية على هذا الفرق بين كفّيها، وتحوله لأداةٍ توجه الوعي المجتمعي؛ سنرى مجتمعًا لطالما حلمنا به.