تواجه السينما الليبية سؤالًا مركزيًّا في لحظتها الراهنة: أي الطريقين أقرب للتعبير عن الواقع، الفيلم الوثائقي أم الفيلم الروائي؟  هذا السؤال ليس تقنيًّا فقط، بل هو مرتبط بطبيعة التجربة الليبية نفسها، وبكيفية تَرْجَمَة واقع معقد إلى صورة قادرة على التأثير.

 

الفيلم الوثائقي يبدو، للوهلة الأولى، الخِيار الطبيعي في بيئة تعيش تحولات سريعة؛ فهو يسمح بتسجيل اللحظة كما هي، ويمنح صانع الفيلم فرصة الاقتراب من الواقع دون وسائط كثيرة، لهذا السبب شهدت السنوات الأخيرة حضورًا ملحوظًا للأفلام الوثائقية الليبية، لا سيما تلك التي أنجزها صناع شباب بإمكانات محدودة.

لكن الوثائقي ليس مجرد تسجيل مباشر، فالفيلم الجيد يحتاج إلى رؤية، وإلى قدرة على تحويل الواقع إلى تجرِبة سينمائية، والتحدي الأكبر هو تجنب الوقوع في التقريرية أو في خطاب مباشر يفقد الصورة قوتها، فالسينما، حتى في شكلها الوثائقي، تحتاج إلى حس جمالي يجعل المتفرج يرى الواقع بطريقة جديدة.

 

في المقابل، يمنح الفيلم الروائي مساحة أوسع للخيال؛ فهو لا يلتزم بالحقيقة الحرفية، بل يعيد تشكيلها بواسطة شخصيات وقصص قادرة على خلق تعاطف أعمق. الرواية السينمائية تسمح بطرح الأسئلة المعقدة دون الوقوع في فخ التوثيق المباشر، وتجعل المتلقي يعيش التجرِبة بدلًا من مشاهدتها من الخارج.

غير أن الطريق الروائي في ليبيا مملوء بالصعوبات، فالإنتاج الروائي يتطلب بنية تحتية، وميزانيات أكبر، وخبرات تقنية متخصصة، وهذه العناصر لا تزال محدودة، ما يجعل كثيرًا من المخرجين يلجؤون إلى الوثائقي لكونه الخِيار الأكثر واقعية.

 

لكن السينما لا تحتاج إلى مفاضلة قاطعة، فالوثائقي والروائي ليسا طريقين متعارضين، بل هما مساران يمكن أن يتكاملا؛ الوثائقي يحفظ الذاكرة، والروائي يمنحها عمقًا إنسانيًّا، الأول يلتقط الحدث، والثاني يفتح باب التأويل.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى السينما بوصفها مجرد أداة فنية أو مساحة للحنين، بل على أنها وسيلة لممارسة الحق في الثقافة، وهو ما تنص عليه المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تؤكد حق كل فرد في المشاركة في الحياة الثقافية. إن إنتاج أفلام تعبر عن الواقع الليبي، سواء كانت وثائقية أم روائية، هو تمكين للمجتمع من رؤية هويته وموروثه البصري بكرامة على الشاشة، ومن المشاركة في صياغة سرديته الخاصة.

 

السينما الليبية اليوم تقف في مرحلة اختبار، فالتجارِب الحالية، على تباينها، تشير إلى رغبة حقيقية في البحث عن لغة خاصة، وربما يكون المستقبل في المزج بين النوعين، في أفلام تنطلق من الواقع لكنها تستخدم أدوات السرد الروائي لإيصال المعنى.

ومن هنا، تبرز أهمية الانتقال من الحنين إلى الاستمرارية، فالمطلوب من صناع الأفلام الجدد ليس استعادة الماضي فقط، بل توثيق الحاضر بوصفه مادة للذاكرة القادمة، وما نراه اليوم على الشاشة يمكن أن يصبح “تراث الغد”، إذا ما التُقط بوعي وحس إنساني؛ بهذا المعنى، تتحول السينما إلى جسر حي يربط بين الذاكرة والمستقبل، وتغدو المشاهدة تجرِبة جماعية تعيد جمع الناس حول قصصهم، بدل أن تبقى فعلًا فرديًّا معزولًا.

 

المهم ليس اختيار قالب محدد، بل تطوير رؤية سينمائية قادرة على الصدق مع الواقع دون أن تفقد بعدها الجمالي، وعندما تنجح السينما الليبية في تحقيق هذا التوازن، ستتمكن من بناء خطاب بصري خاص بها، يتجاوز حدود التصنيف، ويعبّر عن مجتمع يعيش بين الذاكرة والتحول.

إن صناعة الأفلام في هذا السياق ليست ترفًا، بل هي فعل ثقافي ضروري؛ فهي تخلق مساحات يلتقي فيها الناس حول حكاياتهم المشتركة، وتحمي الذاكرة الجماعية من التآكل والنسيان، وتمنح المجتمع القدرة على رؤية نفسه، لا كما يُروى عنه، بل كما يختار هو أن يروي ذاته.

 

 

الكاتب:محمد بن سعود