لم يكن دخول محمد القصير إلى عالم السينما نتيجة مسار أكاديمي تقليدي أو تخطيط مهني مسبق، بل جاء من شغف بسيط بدأ بكاميرا وهواية تصوير. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشغف إلى اهتمام أعمق بسرد القصص الإنسانية وتوثيقها بالصورة، ليجد نفسه تدريجيًا في قلب تجربة الفيلم الوثائقي.

في حديثه مع مؤسسة ليبيا للأفلام، يوضح القصير أن علاقته بالكاميرا بدأت كهواية منذ نحو 12 عامًا، قبل أن يتطور شغفه تدريجيًا نحو الأفلام الوثائقية، التي دخل مجالها فعليًا قبل حوالي خمس سنوات، مدفوعًا برغبته في الاستماع إلى قصص الناس ونقلها بصدق.

 

 

 

1- كيف بدأ اهتمامك بالقصص الإنسانية قبل دخولك مجال الأفلام الوثائقية؟

 

بدأ هذا الاهتمام قبل سنوات من عملي في الأفلام الوثائقية، عندما كنت في مصر عام 2013 مع مجموعة من الأصدقاء، حيث كنا ندير صفحة مستوحاة من مشروع “Humans of New York” تحت اسم “Humans of Cairo”. كنا نصوّر أشخاصًا من الشارع ونجري معهم مقابلات قصيرة، ثم ننشر قصصهم كما هي دون تدخل. هذه التجربة عمّقت لدي حب الاستماع إلى قصص الناس ونقلها بصدق، وكنت دائمًا مؤمنًا بأن لكل إنسان قصة تستحق أن تُروى، وهو ما دفعني لاحقًا للتوجه نحو صناعة الأفلام الوثائقية.

 

 

2- كيف تساهم الأفلام الوثائقية في رفع وعي المجتمع بالقضايا الإنسانية والاجتماعية في ليبيا؟

 

الأفلام الوثائقية تلعب دورًا مهمًا في رفع وعي المجتمع الليبي بالقضايا الإنسانية والاجتماعية. فهي غالبًا تركز على قضية محددة وتعرضها بصدق وواقعية، بعيدًا عن التمثيل أو الدراما، ما يجعل تأثيرها أعمق على المشاهد. كما تساعد على تسليط الضوء على فئات قد تكون مهمشة أو غير مرئية، وتفتح المجال للنقاش المجتمعي حول هذه القضايا.

إلا أن هناك الكثيرين في ليبيا ما زالوا ينظرون إلى الفيلم الوثائقي بنمط تقليدي يشبه أسلوب أفلام “ناشيونال جيوغرافيك”، أي تعليق صوتي مع راوٍ، ومقابلات، ومواد أرشيفية.

في حين أن للأفلام الوثائقية أنواعًا متعددة، ومن بينها النوع الذي أهتم به أكثر، وهو السينما الحرة، التي لا تعتمد على سيناريو مسبق، أو على خطة مكتوبة بالكامل قبل التصوير. وهذا النوع تحديدًا يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا في المجتمع، لأنه يقرّب المشاهد من الواقع كما هو، ويجعله يعيش التجربة بشكل مباشر، مما يخلق تعاطفًا أعمق وفهمًا أصدق للقضايا المطروحة.

 

 

3- كيف تختار مواضيع الأفلام التي تعمل عليها؟ وعلى أي أساس تحدد أن هذا الموضوع مناسب أو جذاب؟

 

في الحقيقة، كثير من الناس لديهم تصور تقليدي عن الفيلم الوثائقي، لكن عندما يشاهدون الأعمال الوثائقية الحديثة، يتفاعلون معها أكثر، لأنها تحمل جانبًا دراميًا، وهو ما يُعرف بالـ “Creative Documentaries”. وهذا التفاعل يساهم في تغيير نظرة الجمهور، ويدفعه للتفكير في القضايا بشكل مختلف، بل وربما يحفّزه على اتخاذ مواقف أو مبادرات تجاهها.

على سبيل المثال، قمتُ أنا والمخرج محمد مصلي بتصوير فيلم بعنوان “بطلة”، يسلط الضوء على قصة “سعاد” بطلة رفع الأثقال من ذوي الإعاقة ورحلة كفاحها لتحقيق حلمها العالمي.

عند عرض الفيلم في طرابلس، كان له تأثير واضح. أنا كنت مسؤولًا عن الإخراج والتصوير والمونتاج. ومن خلال الفيلم، تم تسليط الضوء على مشكلات حقيقية تعيشها الشخصية، مثل تنقلها اليومي بين مدينتي تاورغاء ومصراته ومعاناتها مع الدولة لاسترجاع معاشها الشهري.

بعد عرض الفيلم، وفر صندوق الضمان الاجتماعي وسيلة تقل أسبوعيًا، كما منحت المدربة وقتًا خاصًا للتدريب المجاني. هذا التغيير شجع لاعبتين أخريين من تاورغاء للانضمام إليها، ليشكلوا نواة فريق نسائي من ذوات الإعاقة للاستعداد للبطولات المحلية والدولية.

وهذا ما يُظهر قوة الفيلم الوثائقي، إذ لا يحتاج إلى تمثيل أو حبكة درامية مصطنعة، لأن القصة حقيقية، والشخص الذي نشاهده هو نفسه من يعيش تلك المعاناة. وهنا تكمن أهميته في رفع الوعي، لأنه يعكس الواقع دون تزييف، ويمنح صوتًا لمن لا صوت لهم.

أما عن اختيار المواضيع: فغالبًا ما تأتي الفكرة بشكل تلقائي. على سبيل المثال، فيلم “أصدقاء الجبل” جاء لأن أحد أصدقائي كان جزءًا من تلك البيئة، وكنت قريبًا من التجربة.

بمعنى آخر، البيئة والمجتمع الذي تعيش فيه لهما تأثير كبير على اختياراتك. فالأفكار تنبع من المحيط، من الأصدقاء، ومن التجارب اليومية. كما أن القرب من هذه القصص يمنحها صدقًا أكبر، وهو ما ينعكس بدوره على تأثيرها في الجمهور.

 

 

4- ما أبرز التحديات التي تواجه صناع الأفلام الليبيين اليوم؟

 

التحديات كبيرة ومعقدة. أول مشكلة هي غياب أماكن عرض الأفلام. في مصر، على سبيل المثال، هناك مهرجانات وسينمات مستقلة تسمح للمخرجين الشباب بعرض أعمالهم، حتى لو كانت ميزانياتها محدودة. هناك جمهور مستعد لمشاهدة هذه الأفلام، وهذا يمنح صناعها فرصة اكتساب الخبرة والوصول إلى المتابعين. أما في ليبيا، فالأمر مختلف؛ لا توجد دور عرض وأغلب الأفلام تُعرض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يظلم الفيلم لأنه يفقد تجربة المشاهدة الجماعية التي توفرها السينما.

 

 

5- وماذا عن التمويل؟ هل صناع الأفلام الليبيين يحصلون على دعم كافٍ؟

 

التمويل يمثل تحديًا كبيرًا جدًا. الدعم الخارجي موجود، لكنه محدود وشروطه صارمة. حتى لو حصلت على مبلغ كبير مثل خمسين ألف دولار، لا يوجد ضمان أنك تستطيع إنتاج الفيلم كما خططت. هناك تجارب سابقة، حيث قدمنا مشاريع لمؤسسات أجنبية ولم نحصل على رد أو تم رفض المشروع دون سبب واضح. السبب أحيانًا يعود لاعتبارات سياسية أو تنظيمية أو لمخاوف الجهات الممولة بسبب الاستقرار السياسي والاجتماعي.

 

 

6- كيف يؤثر الوضع السياسي والاقتصادي على السينما في ليبيا؟

 

السينما ليست مجرد فن، بل مرتبطة بظروف سياسية واقتصادية واجتماعية. غياب التمويل، قلة دور العرض، واحتكار بعض المنتجين شاشات التلفزيون خاصة في موسم رمضان، كل ذلك يجعل من الصعب تطوير مشهد سينمائي حقيقي. الموسميات التلفزيونية محدودة، وهناك أربع أو خمس مسلسلات فقط تحظى بالعرض سنويًا، ما يمنع ظهور أصوات جديدة أو مشاريع مستقلة. وحتى إذا أردت إنتاج فيلم قصير أو موسيقي، التكاليف كبيرة جدًا، ولا يوجد دعم محلي كافٍ لتحقيق المشروع.

 

 

7- هل هناك حلول أو مقترحات لتجاوز هذه العقبات؟

 

الحلول موجودة لكنها تحتاج إلى وقت وتخطيط. يجب أن يكون هناك استقرار سياسي واقتصادي، وفتح دور عرض مستقلة، ودعم مادي مباشر للمخرجين الشباب، وتطوير مشهد تلفزيوني يسمح بتنوع الإنتاج. بدون هذه الأمور، يبقى المخرج الليبي مقيدًا، وغالبًا ما يضطر إلى عرض أعماله على السوشيال ميديا، حيث لا يحصل الفيلم على حقه الكامل من المشاهدة والتفاعل الجماعي. رغم كل الصعوبات، أعتقد أن المنتجين ومحبي السينما والمخرجين يجب أن يواصلوا. الاستمرار في الإنتاج هو ما يحرك الدائرة ويتيح لكل الناس المشاركة.

 

 

8- حتى لو لم يكن هذا مجالك الأصلي، كيف تحافظ على الحافز للاستمرار؟

 

الحافز عندي يأتي من القصص نفسها. في كل زاوية من ليبيا، هناك حياة وشخصيات تنتظر أن تُروى، وكل فيلم هو نافذة على واقع لم يُرَ من قبل. التصوير بالنسبة لي ليس مجرد نقل صور، بل هو خلق مساحة للناس ليُسمع صوتهم، و للمشاهد ليعيش معهم لحظاتهم.

 

الكاتب:
شيماء التابعي