أقتفي للمرة الثانية أثر “سينما المهجر” وهمومها، في اقترابها من مسألة الهُوِيَّة وابتعادها عنها. أحادث سارة بن سعود، الليبية التونسية الكندية، عن هذه الدول الثلاث فيما يخص السينما وسيرتها التي لاصقت أفلامها. تتحدث سارة اللهجة التونسية قليلًا لكننا آثرنا التحدث بالإنجليزية، فترجمتُ بعض ما قيل.
باستثناء 5:1، لم أشاهد أيًّا من أفلامك السابقة لــــــ (إليك يا جدّي)، وهي -حسب معرفتي- أفلام قصيرة. حدثينا قليلًا عن البدايات.
بدأتُ مصورة فوتوغرافية منذ الصغر، لذا قاربتُ فن الفوتوغراف إبان التحاقي بالجامعة. وقع الخِيار على السينما واكتشفتُ آنذاك الوثائقي. كانت المنافسة محتدمة بين الطلبة الذين دأبوا على التلاعب بالضوء والظل، فاقترحتُ فيلمًا وثائقيًّا وفيلمًا روائيًّا. انزعجتُ من تفضيل الأستاذ الفيلم الوثائقي واعترضتُ على قراره. كان شغلنا الشاغل آنذاك اللعب بجماليّات الصورة، ثم شرح لي أحد الأساتذة أنه: في الوثائقي يسعني فعل ما أشاء، فالأمر لا يقتصر على إجراء لقاءات مملة. اِقتنعتُ بالحجة وانخرطتُ كليًّا في عالم الفيلم الوثائقي. كنتُ محظوظة عندما عُرِضَ الفيلم في مهرجان للطلبة فتشجعتُ على المضي.
قرابة عامي التاسع عشر، سألتُ أبي عمّا إذا كان يحتفظ بأي شيء عن أبيه. أخبرني أن جدي قد أهداه مذكراته قبل عقود، واندهشتُ لعثوري على تلك الوثيقة المُخَبَّأة في قبو بيتنا. وبالنظر إلى صغر سنّي، لم أفهم الكثير مما كتبه جدّي في شأن السياسة في ليبيا، البلد الذي لم أعرف عنه شيئًا. وبعد سنوات من قراءة المذكرات، قررتُ في الجامعة أن أصوّر وثائقيًّا عن جدّي، إذ به أحكي له قصتي. في خضم التفكير الجِدّيّ في تصوير الفيلم، واجهتني الأمور التي لم أفهمها. وجدتُ بعدها ألبومًا لصور التقطها، وارتأيتُ زيارة الأمكنة التي صوّرها وكيف آلت حتى أن أقتفيَ أثره.
أي صعوبة واجهتِ في قراءة المذكرات؟ أكانت اللغة سببًا رئيسًا؟ نعلم أنه كتب المذكرات بالعربية والإنجليزية والإيطالية وغيرها.
لم يتعلق الأمر باللغة، بل بتعقيد المواضيع السياسية. على سبيل المثال: كَتَب عن محاورته شخصًا ما وعن فساد ذاك الشخص، وغير ذلك الكثير من تشابك الأسماء والأحداث، فلم أفهم تمامًا مقاصده في ذاك الشأن.
يذكّرني هذا باستطرادات ماركوس أوريليوس في (التأملات). يعتقد الباحثون أن تلك النصوص كانت يومياته التي لم ينوِ نشرها.
في الوثائقي، نرى أن جدك كان يحلم بنشر مذكراته. هل تعتقدين أن هذه التفاصيل كُتِبَت كي تُنشَر؟ ربما كتبها لنفسه؛ ولهذا صارت غامضة!
ربما. لهذا السبب تساءلتُ سنوات كيف أستخدم هذه المذكرات. هكذا بدأتُ التفكير، كما أخبرتك، في الاشتغال على ألبوم الصور، وأن أصير جزءًا من الوثائقي وأنا أحاكي تجاربه.
طرحتُ الفكرة على منتِجٍ واهتم بها، لكنه أخبرني أن التصوير في ليبيا ليس ممكنًا؛ لأن شركة التأمين لن تغطي تكلفة الإنتاج هناك. هي شركة إنتاج في كيبيك لم تتخصص في إنتاج الوثائقيات بمناطق الحرب. زد على ذلك أن الفيلم كان عملي الأول، فاستمعتُ إلى الإرشادات.
كانوا سيسمحون بالتصوير دون تحمل المسؤولية في حال حدوث أي مشكلة.
نعم. كان معنا فريق تصوير، لذا وجب حضور شركة تأمين، ولهذا صوّرنا في تونس عِوضًا عن ليبيا، البلد الذي يدور حوله الفيلم.

ماذا عن الأفلام التي سبقت (إليك يا جدي)؟
كنتُ أخرج مسلسلات من كتابة فناين آخرين. (إليك يا جدي) كان مشروعي الأول، من التقديم إلى المنح فالإعداد والإخراج. الفيلم الشخصي الوحيد الذي سبقه صَوّرته في خضم المشروع.
حَدَثَ كوفيد ولم أغادر كندا. صوّرتُ حينها فيلمي (5:1)، وهو وثائقي قصير عن عائلتي. كنا قد افترقنا سنوات، وفي فترات الحجر اجتمعنا لما يقارب العاميْن. يشير العنوان إلى أفراد عائلتي؛ لدي أخ وأخت. كانت علاقتنا في الأيام الأولى متوترة، فاجتهدنا لفهمنا بصفتنا عائلة وبصفتنا أفرادًا، أن نتعايش في فضاء واحد ونتحلى بالصدق. هكذا أردتُ تصوير هذه التحولات عن طريق مقابلتي كل فرد في العائلة وحضوري شخصيًّا في كل مقابلة عبر وسيط زجاجي، كما اقترح مدير التصوير. حققتُ بالمقابلات في علاقتي بالعائلة في غضون تسع دقائق.
أرى أنَّ مكمن التشويق في الفيلم هو تصويره قبل (إليك يا جدي)، لأنه عن العائلة وعن أبي خصوصًا.
يجوز القول إن (إليك يا جدي) فيلم عن الهُوِيَّة، فأنتِ كندية، وأبوكِ ليبي-تونسي ولكنه كندي أيضًا، وأمك كندية-كندية، إن صح التعبير. أما عن جدك، فهو ليبي قضى آخر عمره في تونس، متزوجًا تونسية. إلى أي درجة تهمك الهُوِيَّة بوصفك صانعة أفلام؟ الفيلم يجيب، ولكن لنأخذ بعين الاعتبار مثلًا: أن التونسيين يعدّونك كندية، والليبيون يعدّونك تونسية، وفي كندا، لا أعلم ماذا يعدّونك!
مفهوم الهُوِيَّة لا يفارقني. جدير بالذكر أن الأمر بدأ مع اشتغالي بمسلسلات وثائقية أخرى عن السكان الأصليين في محاولتهم إحياء ثقافتهم، فانسحب الاشتغال تبعًا لذلك على هويتي. وتعقد الأمر ببعدي عن ليبيا وتونس. لذلك وجب أن أجبر أبي على تعليمي كي أفهم من أنا. ولهذا استكشفتُ الأمر بنفسي دون الاعتماد كليًّا على حكايات أبي.
هل غيّر الفيلم منظور أبيك؟ هل تعتقدين أنه سأل نفسه: هل كان يجب أن أكون “ليبيًّا”/”تونسيًّا” مع ابنتي؟ أم أنك تعتقدين أن الأمور سرت كما وجب أن تسري؟
ربما يساوره الآن بعض الندم، بيد أنه أخبرني أنه حالما قدم إلى كندا دأب على الاندماج مع المجتمع، ولم يهتم كثيرًا بوصل تراثه بأبنائه. أعتقد أن الأمور تغيرت الآن، إذ نرى راحة المهاجرين في نقل لغتهم وثقافتهم إلى أبنائهم، وهذا ربما لم يكن متاحًا لجيل أبي؛ فقد كان الاندماج أولوية.
أو ربما كان السبب سياسيًّا، أن يحمي العائلة من ملاحقة النظام، كونه ابنًا لمعارض سياسي. قد أكون مخطئًا.
أعتقد أنه لم يستطع فعل أي شيء بهذا الخصوص، فلم يكن لدينا أقارب هنا. ربما في حضور جدتي -مثلًا- كنت سأتعلم بعض الأشياء، لكنه كان وحيدًا. هذا على عكس عائلة أمي.
هل كنتِ منخرطة في المونتاج؟
نعم، كنت حاضرة مع المونتير يومين أو ثلاثة في الأسبوع، واستغرق المونتاج نحو ثمانية أشهر.
شعرتُ أن الساعة كانت ملائمة لمدة العرض. لم تحتكموا إلى صيغة الساعة ونصف أو الساعتيْن، أو صيغة الفيلم القصير. شعرتُ أن مدة الفيلم جاءت عفوية ولم تندمي على حذف أي مشهد. هل شعوري في محله؟
ما صعّب الأمر عليّ أن رؤية المنتج لم توافق رؤيتي، فقد أراد أن يُعرَض الفيلم في التلفزيون، أي بين 50 و52 دقيقة، فيما أردتُ عرض النسخة الطويلة، وكان إنتاج نسختيْن مشروعًا مكلفًا. هكذا قررتُ مع المونتير أن نحذف جزءًا بعينه للعرض التلفزيوني، بدلًا من تقليم كل مشهد.

إذًا، أنتِ راضية عن النسخة السينمائية التي شاركتِها مع مؤسسة ليبيا للأفلام، وطولها 61 دقيقة؟
نعم، تلك هي النسخة الطويلة. واجهتنا خِيارات صعبة في التخلّص من أجزاء معينة، ولكنني لا أتذكر أيًّا منها.
كيف تقبّل الجمهور الفيلم؟
على نحو مثير للاهتمام. أحببتُ التعليقات من مشاهدين من بلدان غير كندا، وأتذكر استجابة أبٍ مغربيٍّ كندي -حسب ما أذكر- قال لي إن الفيلم حثّه على تشجيع أبنائه لاستكشاف أسلافهم، وأنه لا بأس من احتضان أكثر من هُوِيَّة. ومن جهة أخرى، أَحَبَّ الكنديون (غير المهاجرين) تجرِبة الاستكشاف، وجذبتهم شخصية أبي بالتحديد، خصوصًا محادثاته معي عبر الإنترنت.
أمر رائع أن نشاهد فيلمًا يمس الناس من مختلِف الثقافات، أن نبتعد عن سياسات الهُوِيَّة الضيقة.
في هذا السياق، هل لديك مشاريع مستقبلية تستصعبينها؟ تعلمين أنه في ليبيا أبسط المشاريع تصبح صعبة. هل الأمر سيان في مونتريال؟
نعم، نلتُ البارحة منحة إنتاج فيلم روائي قصير، وغالبًا ما أشعر أن نيل المنح أصعب في أماكن أخرى. أرغبُ دائمًا بالتصوير في تونس، وأفضل الفرص لنيل المنح هنا. فمثلًا: فيلمي هذا رُفِضَ في البداية لأنه قصة مهاجرين ولا جديد فيه، لكنه -في رأيي- ليس ببساطة قصة مهاجرين، بل ذاك هو النمط الذي يلصقونه بهذه القصص. هكذا ارتأيتُ تقديم المشروع في مقاطعات أخرى. مثلًا: تورنتو مدينة تشمل ثقافات أكثر، وقد ترى مشاريع مونتريال بعين أخرى. والبارحة جاءني القبول من أونتاريو (مقاطعة تورنتو).
في (إليك يا جدي)، صوّرتُ فيلمًا عن جدي. هذه المرة، أريد تصوير فيلم روائي عن جدتي، استوحيته من زيارتي إلى تونس وقضائي الوقت مع جدتي وأنا طفلة، لكنه فيلم روائي يضيف الكثير من الخيال إلى الواقع، في غضون أسبوع أو أسبوعين تقضيهما الحفيدة مع الجدة ومن ثم تعود إلى ديارها.
سعد العشّه