راجعتُ في مقالٍ سابقٍ وثائقيًّا عن المعارض الليبي الأسبق عاشور الشامس. مخرج الفيلم ابنه، خالد الشامس، الذي شاركنا الفيلم مشكورًا مع مدونة مؤسسة ليبيا للأفلام. وبعد الفرجة، طلبتُ من خالد أن يشاركني فيلمه السابق (أنا والإمام، 2011)، فما لبث أن أرسل رابط الفيلم الخاص وعرض مشاركة كل فيلم أخرجه أو منتَجه.
جمعتُ من هذا السخاء النادر بعض الخيوط لبدء الحديث عن سيرته الفنية والشخصية، وهما سيرتان تمتزجان بوصفه موثّقًا لأحواله وأحوال عائلته. من هنا تحدّثنا ساعة ونصف عن السينما الليبية في المهجر وسيرورة التوثيق السينمائي بين الشخصي والعام. لا يتحدث خالد العربية، وقد تطرقنا لذلك في الحوار. هكذا ترجمتُ باختزالٍ بعضَ ما قيل ولخّصتُ فذلكة أسئلتي.
انتهت دردشتنا وما زالت أسئلة عدة لم تُطرَح. لم أرغب في استغلال سخاء خالد الذي اجتاز مشاركة أفلامه إلى تسليم وقته دون موعد محدد لإنهاء المقابلة، فآثرتُ أن يطرح القارئ الأسئلة الباقية على نفسه وغيره. هذا بعض الحوار –فتفاصيله كثيرة ومعقدة– والبقية في المقابلة الصوتية لمن يهمه الأمر.
-
أنا من دعاة الرأي القائل إن أنسب السّيَر هي السّيَر الذاتية. هل لك أن توجز نشأتك للقارئ؟
وُلِدتُ في لندن في 1975. أبي ليبي من مدينة غريان، وأمي من كيب تاون، جنوب إفريقيا، وهي تنتسبُ إلى الجالية الملايوية في كيب تاون التي صُنِّفَت عرقيًّا بالجالية المسلمة في كيب تاون. كان جلّهم من العبيد والمساجين الذين جلبهم المستعمِر من إندونيسيا. أبي الليبي وأمي الجنوب-إفريقية التقيا في لندن، فولدتُ هناك مع إخوتي. زرتُ ليبيا أول مرة متأخرًا جدًّا، في 2012، ولم أعدّ نفسي سينمائيًّا ليبيًّا إلا بعد تصوير فيلمي عن أبي. بدأتْ مسيرتي السينمائية حين غادرتُ لندن وبدأت الاشتغال في القارّة، منطلقًا من جنوب إفريقيا، ومن ثم أعدّ نفسي صانع أفلام إفريقيًّا أكثر من كوني صانع أفلام ليبيًّا أو جنوب إفريقي.
- يجوز قولنا، إذن، إنك لستَ صانعَ أفلامٍ ليبيًّا بامتياز، لأنك لم تترعرع في ليبيا، إذ تغيب دور السينما والسينما نفسها. لنتحدّث قليلًا عن التأثيرات السينمائية؛ كيف انتقلت من مشاهدٍ إلى صانعٍ؟
ترعرعتُ في لندن في الثمانينيّات، حين طغت الثقافة الشعبية من طريق السينما الأمريكية والإنجليزية، ولم تُتَح لنا أية خيارات أخرى، حتى الأفلام الوثائقية، باستثناء بعض برامج ديفيد أتينبارا وبرنامج “بانوراما”. حبّذتُ اكتشاف عوالم أخرى، فدرستُ السينما نظريًّا في الجامعة وتعلمتُ ماهيّة السرد. بيدَ أن فحوى الدراسة كانت عن السرديّات الغربية الكلاسيكية ومدارسها المختلفة ولم تتطرق إلى حيثيّات صناعة الأفلام. وفي السنوات التي فصلت بين تخرّجي في 1997 وهجرتي إلى كيب تاون، اشتغلتُ في التلفزيون في سوهو بلندن، في الإنتاج والمونتاج. من هناك درستُ سياسات الإنتاج المرئي فاكتسبتُ الثقة اللازمة لتصوير وثائقي عن جدّي ومنتجته، (الإمام وأنا). كل ما بات في جعبتي: النيّة والفكرة والعلاقات التي مكّنت التصوير. مذ ذاك صرتُ صانعَ أفلام. بدأتُ بجمع المعلومات والأرشيف لأبدأ اكتشاف حياة جدّي أولًا، ثم حياة أبي ثانيًا.
-
في (الإمام وأنا)، لم يكن من اتجاه في الرأي أردتَ إيضاحه مسبقًا، فقد تركتَ التصوير يحدّد مسار الفيلم، لا سيما أن جدّك لم يُكرَّم من الدولة سوى مؤخرًا، في 2014.
كان الإمام هارون في المخيال الإسلامي بجنوب إفريقيا أيقونةً مهيمنة. كان الناس يشيرون إليه بــ”الإمام”. كانت الجالية المسلمة آنذاك بمأمنٍ نسبيٍّ من نظام الفصل العنصري، لذا لم تنبثق أي معارضة من أعيان الجالية. على أن “الأبارتايد” حينها بات من أسوإ الكيانات في القرن العشرين، ولم تتّسق الجالية المسلمة مع تعاليم الإسلام الرامية إلى إعلاء كلمة الحق والثورة في وجه المغتصِب. ولئن سار الإمام عكس التيّار، فلم يلقَ الترحيب بين زملائه الأئمة. لقد ضحّى بحياته آنذاك وأردف الأعيان حينها ما كانوا يحذرون منه.

-
في مرحلة ما من حياتك أدركتَ أن أباك كان معارضًا للقذافي منذ الثمانينيّات، وأن والد أمك قُتِل في السجن في أثناء الأبارتايد. كيف أثّر هذا الإدراك على وعيَك بوصفك صانع أفلام أولًا وابنًا ثانيًا؟
علمتُ بشأن أبي في منتصف الثمانينيّات، حين كنتُ في العاشرة. بعد أحداث السفارة في لندن، عشنا في الخفاء بحماية الشرطة، ومن هناك تيقنتُ من معارضة أبي لنظام القذافي. وبفهمي البسيط، كنتُ أعرف أن القذافي هو السبب في عدم قدرة أبي على الرجوع إلى ليبيا. ولم يكن القذافي حينها المرجع الوحيد إلى ليبيا، فقد تعرفتُ على جدتي بوشومها وعلى البازين والكسكسي، وكلمة “قعمز” وما شابهها، وإنما لم تتشكل لدي هوية ليبية بالكامل.
أما في شأن جدّي، فقد كنّا نسافر إلى كيب تاون باستمرار منذ السبعينيّات لزيارة جدتي وباقي العائلة. بجانب الكتاب الذي ذكرته في الفيلم، كانت صور جدّي تملأ بيتنا، فطغى حضوره في وعيي باكرًا. حين أزور كيب تاون، تعرفني الجالية بصفتي حفيد الإمام.
بعد إنجاز الوثائقي عن جدّي، فكّرتُ في خوض تجربة التحقيق في ماضي أبي… ثيمة الجاسوس المناضل الذي عاش حياة مزدوجة. لكنني لم أفكر في التصوير إلا بعد الثورة لأن الفرصة أضحت سانحة.
-
يعلم أغلب الليبيّين ما تعنيه عبارة “الكلاب الضالّة”. في فيلمك “كلاب العقيد الضالّة”، هل تعتقد أن مقابلتك مع أمك كانت الطريقة الأنسب للكشف عن ماضي أبيك؟
ربما. أود أن أتحدث قليلًا عن أمي، شاملة هارون، ودورها في الوثائقيّيْن. لقد كان الوثائقي وسيلة للجلوس مع أبي بصفتي ابنه. تعلم جيّدًا شخصية الرجل الليبي. أعتقد أني دون وعي صورتُ الفيلم للتواصل مع أبي.
كان لأمّي دور جوهري في الفيلم، إذ صورتها في المطبخ الذي يمثل فضاءها الخاص، وقد ظهرت في منتصف الفيلم. لم أخطط لذلك، إنما اكتشفتُ الأمر في المونتاج. وكل الرموز الخاصة بالأزهار في الفيلم تشير إليها وإلى المطبخ. هي أيضًا حارسة الأسرار كما بات أبوها حارسًا للأسرار. لقد حوَت في أساريرها مقتَل أبيها سنوات طوال، فصارت المدخل لفيلمي الأول عن جدي والمدخل لفيلمي الثاني عن أبي.
-
دعنا نتحدث قليلًا عن صناعة الأفلام في ليبيا. لحسن الحظ لم تنشأ صانع أفلامٍ في ليبيا. فللسينمائي في ليبيا، يتبدّى المشهد بين دولة بوليسية وفوضى، وتتكرر التحديات ذاتها في الحقبة الجماهيرية. لا أحبّذ هذا السؤال، ولكن هل لديك نصائح مجانية لمن يكافح في صناعة الأفلام داخل البلد؟ فحتى الأفلام الوثائقية البسيطة صارت صعبة.
أعتقد أن البداية كامنة في أن تدع سذاجتك وفضولك يدلّانك. أعتقد أن الأمر سيان بين الوثائقي والروائي، لا سيما من اشتغالي مونتيرًا. في الوثائقي، يعتمد الأمر على تجميع المواد، فلحظة تصوير طائر جاثم على غضن شجرة قد تصير جزءًا من فيلمك. تجمّع المواد بزخم ينتهي بقرار الانتهاء من البحث والبدء في المونتاج. في خضم هذا الزخم الفضولي، يجب اكتساب مبدئيات الإنتاج: القص واللصق، وما يلازم ذلك من توليف الأصوات والموسيقى. كل ذلك سانح في برامج مجانية. الباقي يعتمد على فهمك للعالم وحدسك… أن نقبس حكايات الجدات حين يُحتَضَرنَ حتى بكاميرا هواتفنا، ففي اللحظة التي تبدأ فيها هندسة الحكاية، تنتج معنًى ثالثًا، ويتشعّب المعنى بإضافة الموسيقى والأصوات. سيتجلّى في داخلك صوت آخر، ومن ثم تشرع في التفكير بتعقيدات السرد، إنما يأتي ذاك في مراحل متأخرة. ما يهم بالأساس هو تركيب القصة في ذهنك.
-
ذلك أمر مستحيل دون القراءة ومشاهدة أفلام العالم.
بالطبع!
-
في الفيلم الروائي سِجالٌ دائرٌ في شأن نيّة المؤلف… ما يعنيه باللقطة تلك وبالحوار ذاك… هل تعتقد أن نية المخرج مهمة في الفيلم الوثائقي؟
نعم ولا… إذا احترمت موضوع الفيلم وكنت صادقًا، ولكن دون تقديس الموضوع، أعتقد أن المشاهد سيحترم فيلمك، ولكن إن كنت لا تهتم برد فعل المشاهد، فلماذا تنتج الأفلام أصلًا؟ احترام المشاهد متأتٍّ من احترام ذكائهم؛ فتتساءل، هل ما أركّبه في المونتاج منطقيٌّ؟ هل أنا راضٍ بهذا التركيب المنطقي؟ هذه أسئلة تخطر على بال السينمائي في أثناء المونتاج. تتعقد الأسئلة أكثر في الفيلم الروائي. صانعو الفيلم الروائي يعانون أكثر في مسألة تقبّل رؤاهم. في الفيلم الوثائقي، تأتيك اللقطة أحيانًا بلا نيّة في مرحلة المونتاج. في الأحوال جميعها، بصفتي مونتيرًا، لا فرق لدي بين الوثائقي والروائي، لأن العناصر في التركيب هي ذاتها، لذا أحبذ العمل مونتيرًا لأنه يحوي مسؤوليات أقل وطأة من الإعداد والإخراج.

-
في فيلميْك توجّهٌ سياسي؛ أنت موالٍ لثورة فبراير وموالٍ للكفاح المنظّم ضد الأبارتايد. كيف تقدم موضوعك دون إهانة معارضيك؟
الخدعة كامنةٌ في صنع فيلم شخصي؛ فأنت تبوح بقولٍ يتعلق بك شخصيًّا. إنها تأويلاتك عن الذات وعن عائلتك. هذه كلها أدوات تساعدك في صنع فيلم شخصي.
-
أي لا تشتغل بصفتك صحفيًّا؟
نعم، بإمكانك قول ما تحب. لكن للأمر تبعاته. لقد قُبِلَ الفيلم في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، مثلًا، لكن الحكومة حظرت عرض الفيلم. لقد أحبّ المصريّون الفيلم، لكن حكومتهم أبَت.
-
لم أحبّذ السؤال عن نصيحتك لصنّاع الأفلام في ليبيا لأن المجتمع لا يرحّب بالفكرة أصلًا، أو دعنا نَقُلْ إنه ليس متلهّفًا لسينما ليبية.
لهذا السبب ينتج مهند لامين أفلامه خارج ليبيا، وكذلك نزيهة العريبي. أنا أيضًا أنتج خارج ليبيا.
-
هل بالإمكان القول بوجود موجة جديدة ليبية في المهجر؟
نعم، لم لا!
-
العامل المشترك بينك ومهند لامين ونزيهة العريبي وغيركم، هو تأليفكم الوثائقيات… تظل الأفلام الروائية سرابًا حتى في الظروف المتاحة خارج ليبيا. ربما تبدأ الموجة بالوثائقي في المهجر، ثم الروائي في المهجر، فالوثائقي داخل ليبيا، وأخيرًا الروائي داخل ليبيا…
نعم. الحكايات لا تنتهي، ولا نعلم ما يخبئ الغد من أفلام ومخرجين.
سعد العشّه