اليوم سنحكي فنًّا، سنحكي سينما، مع المخرج الليبي المبدع أسامة رزق، الذي بحوزته ما يقارب 14 مسلسلًا دراميًّا ومجموعة من الأفلام القصيرة والطويلة. بدأ مشواره بدراسة الإخراج والإنتاج السينمائي، وقدم أولى أفلامه الوثائقية (النيهوم… سيد الكلمات) عام 2008م، تلاه أعمال درامية عدة حققت نسب مشاهدة عالية، من أبرزها مسلسل (بنات العم) الذي عُرض في المنصة الشهيرة “شاهد”. وأصبح اسمه حاضرًا بقوة في المشهد الدرامي الليبي والعربي، رغم الصعوبات الإنتاجية التي واجهها.

سنتعرف معه على رصيده السينمائي ونتحدث عن مسيرته الفنية المتنوعة، كما سنتطرق إلى واقع السينما في ليبيا، الذي وصفه في هذا الحوار مع “منصة ليبيا للأفلام” بأنه: “واقع تعيس في حاضره لكنه متفائل بمستقبله”.

رزق يتحدث في هذا الحوار، عن أهمية الإنتاج الفني والتحديات الحقيقية أمام صناع الأفلام الليبيين. إليكم الحوار…

 

1– هل لك أن تتحدث عن رصيدك السينمائي لقرّاء مدونة مؤسسة ليبيا للأفلام؟

تجربتي السينمائية… كانت أول تجرِبة بمجموعة أفلام وثائقية، في البداية كانت إلى الأفلام التسجيلية أقرب منها إلى الأفلام الوثائقية، فهي عبارة عن توثيق لمشاريع تابعة لجهات عامة، لكني حاولت العمل عليها بطريقة مميزة من حيث كتابة النص لتكون قريبة من طريقة الأفلام الوثائقية. كذلك باعتماد لغة مشوقة وغير مملة. إضافة إلى أني كنت من الأوائل الذين استعانوا بـ”فويس أوفر” لمشهورين من بينهم جهاد الأطرش ومحمود سعيد.

وفي سنة 2008 خضت تجرِبة إخراج فيلم وثائقي (النيهوم… سيد الكلمات)، الذي يتحدث عن الأديب الليبي الصادق النيهوم، وجرى تصويره بين طرابلس وبنغازي وبيروت، وكان أول تجرِبة لي في فيلم وثائقي.

بعد ذلك أتيحت لي فرصة العمل على فيلم (العشوائي)، وهو فيلم قصير شاركنا به في 16 مهرجانًا دوليًّا، وفزنا بالجائزة البرونزية في مهرجان قابس المغاربي للأفلام، وتنويهٍ خاص من لجنة التحكيم في مهرجان وجدة للفيلم العربي، وجائزة أفضل فيلم إفريقي من مهرجان “آرت” بالكاميرون.

تلى ذلك فيلم (الباروني) في سنة 2021م، ويتناول سيرة حياة المناضل الليبي سليمان الباروني، وهو أول فيلم سينمائي طويل تاريخي، ويعتبر نخبويًّا نوعًا ما، حصل على جائزة أفضل إخراج وأفضل سيناريو وأفضل ممثل في مهرجان المغرب بمدينة وجدة، لكنه شارك في مهرجانات قليلة، ربما يعود السبب لنوعية الفيلم التاريخي والطويل.

وآخر تجرِبة كانت فيلمي القصير الثاني (صعود)، مدته 16 دقيقة، وهو يتحدث عن موضوع الفساد الإداري في الدول العربية وعن كيفية اختيار المسؤولين بناء عن العلاقات الشخصية. الفيلم ينتقد موضوع المحسوبية وينتقد موضوع الفساد في الدول العربية. أول مشاركة للفيلم كانت في مهرجان (خريبكة للسينما الإفريقية)، وفزنا بجائزة الفيلم الإفريقي من الاتحاد الإفريقي لصناع السينما، وسنشارك كذلك في مهرجانات أخرى قريبًا.

حقيقة تمنيت أن يكون رصيدي السينمائي أكثر، ولكن -الأكيد- في الفرص القادمة سيكون أكثر.

 

من كواليس مسلسل «بنات العم»، يظهر المخرج أسامة رزق مع الممثل أحمد عمار والممثلة آية شو

 

2- هل لديكم مشاريع سينمائية جديدة؟ 

لدي طبعًا مشاريع أخرى لا تزال تحت الدراسة والبحث عن الدعم وسط محاولات لإيجاد قاعدة سينمائية كبيرة، لكن -للأسف- الوضع في ليبيا صعب لإيجاد الدعم السينمائي.

3- تنوع أعمالكم بين الدراما والسينما، هل هذا توجه مدروس منكم أم يعود ذلك لأسباب وصعوبات في الإنتاج السينمائي في ليبيا؟

أنا شخص أكره التكرار، لا أحب تكرار نفس اللون أكثر من مرة، وهذا واضح في مسيرتي الفنية، إذ إني لا أحب العمل بالأجزاء في الدراما، لدي فقط مسلسل (السرايا) بجزئين، لأنه من البداية كانت خطتي -أنا وسراج الهوايدي والمنتج وليد اللافي- أن تكون ثلاثية.

وبالرغم من ذلك، الجزء الثاني كان فيه اختلاف في الرؤية الإخراجية وفي التصوير وفي الممثلين، حتى في الستايل الخاص بالمسلسل.

في النهاية، أنا لا أرغب في التقيد بنفس اللون لكن لست أنا دائمًا صاحب القرار. أحيانًا يكون القرار منك وأحيانًا من الظروف. لكن في العموم أنا لا أحب التكرار، ولهذا السبب أحاول أن أقدم أعمالًا مختلفة من حيث القصة ورؤية التصوير، حتى المونتاج. أنا دائمًا أحب التنوع ولا أحب أن يتذكرني الناس بالمخرج ذي “الستايل الواحد”.

4- هل توجد مواضيع وقضايا تُطرح في السينما ولا يمكن معالجتها في الأعمال الدرامية؟

طبعًا… الدراما تدخل لكل بيت وتخاطب كل الشرائح العمرية والاجتماعية. وهنا لا بد أن تكون حذرًا في طرح المواضيع وطريقة تقديمها، سواء كانت قضايا اجتماعية أو سياسية، كذلك من حيث طريقة التصوير وطريقة الطرح.

أمّا السينما فجمهورها اختياري. جمهور السينما هو الذي قرر الذهاب والدخول لقاعة العرض أو منصة العرض. طالما أن الجمهور هو الذي اختار ذلك الفيلم فعليه أن يتقبل رؤية المخرج حتى ولو لم تنل إعجابه. على كل حال، في السينما دائمًا لديك القدرة على طرح قضايا يمكنك أن تلف بها العالم، على عكس الدراما التي تظل محدودة الانتشار ودائمًا مواضيعها تكون محلية. في السينما أنت حر أكثر، تقدم رؤيتك ولا تتأثر بآراء الآخرين.

5- كيف يمكن للمثقف والمخرج أن يكون له دور في معالجة قضايا شعبه ونقلها؟

بصراحة، أنا لدي رأي مختلف عن الآخرين، فأنا أرى أن الفن ليس دوره تقديم الحلول، بل دوره يتمثل في الحديث عن القضية وطرحها بطريقة فنية. من واجبي أن أقدم قضية وأحاول طرحها والحديث عنها برؤيتي الإبداعية، لكن ليس معالجتها، فهذا دور أطراف أخرى من بينها الدولة والمؤسسات، وكذلك المجتمع.

 

لقطة من فيلم «صعود» للمخرج أسامة رزق، يظهر فيها كل من الممثل عبد الباسط أبوقندة والممثل محمد بن ناصر

 

6- ما تقييمكم لوضع السينما الليبية حاليًّا؟ 

سيئ! في الحاضر والواقع الحالي هو سيء، لكن أنا متفائل بالشباب الذين يملكون رغبة حقيقية في محاولة صناعة الأفلام في ليبيا، لكنها تظل محاولات فردية وكفاحًا فرديًّا، إذ إن الدولة ليس لديها الدعم المالي للسينما وغير قادرة على الإنتاج، ولا الصناديق العربية والعالمية مهتمة بالقطاع السينمائي في ليبيا، إذ إن الدعم تحصل عليه كل الدول العربية باستثناء ليبيا. عدد من المخرجين الشباب يقدمون على هذه المنح ويطلبون الدعم من المهرجانات العالمية وصناديق الدعم، لكن -للأسف- لا نحصل على الدعم، فيما الأفلام المغاربية والسودانية وغيرها تحظى بالدعم المطلوب.

للأسف من المفروض أن يكون الدعم لأي مشروع يحتاج إلى الدعم مهما كانت جنسيته، لكن التركيز على تونس والمغرب والسودان ومصر فقط. حقيقة أصبح الموضوع غريبًا بعض الشيء! فنحن نحتاج إلى الدعم لصناعة هذه الأفلام. لكن كما قلت في البداية أنا متفائل بالمستقبل وبالشباب وبأصحاب الرؤية الإبداعية، ومتفائل أنه سيكون دعم من الدولة في القريب العاجل.

7- ما أبرز التحديات التي تواجهكم أنتم صنّاع الأفلام في المشهد السينمائي الليبي في ظل غياب المؤسسات الداعمة وضعف البنية التحتية للإنتاج؟

سأكون صادقًا معك، البنية التحتية ليست ضعيفة بل منعدمة في ليبيا، بمعنى أنه لا توجد أي قاعة سينما في ليبيا كلها. قبل 2011م تقريبًا كانت نحو 10 أو 15 قاعة سينما، وحاليًّا لا توجد دار سينما واحدة، ولا توجد لدينا معدات سينمائية متكاملة لا عامة ولا خاصة. مثلًا لو قررنا إنتاج فيلم سينمائي كامل داخل ليبيا فنحن مضطرون لاستيراد معدات من خارج ليبيا. كذلك لا يوجد عدد من التقنيين الليبيين يكفي لإنتاج فيلم سينمائي بفريق ليبي كامل. بصراحة لا توجد بنية تحتية حقيقية لصناعة الأفلام السينمائية في ليبيا. وهنا دور الدولة بأن تبادر بخلق دور عرض ومناخ تشجيعي للإنتاج السينمائي داخل ليبيا.

8- كيف ترى تطور الإنتاج السينمائي في ليبيا في السنوات الأخيرة؟

توجد تجارِب جديدة وناجحة من بينها فيلم “السجين والسجان” للمخرج مهند الأمين، وهو فيلم جميل شارك في مهرجان قرطاج، كذلك فيلم “أثر” للمخرج فرج معيوف، وفيلم للمخرج مؤيد زابطية… “الإمارة”، إضافة إلى الفيلم الوثائقي القصير “البطلة” للمخرج محمد المصلي، وأيضًا فيلم “حقول الحرية” للمخرجة نزيهة عريبي، وغيرها من الإنتاجات… لكنها تظل تجارِب صغيرة ومحدودة ما زالت في أولى الخطوات لصناعة سينما في ليبيا.

 

من كواليس تصوير مسلسل «زنقة الريح»، يجتمع المخرج أسامة رزق مع الممثل محمد عثمان في الوسط، وإلى يسارهما الممثل خالد كافو

 

9- هل ترى أن الطريق نحو سينما مؤثرة وقادرة على التغيير في المجتمع لا يزال ممكنًا؟

الوصول إلى هذه الغاية في ليبيا حاليًّا شبه مستحيل، وذلك لسبب بسيط وهو عدم وجود أي دور عرض، لا توجد سينما تستقبل المواطن للمشاهدة والحديث عن القضايا المطروحة في الفيلم. وهنا تتمثل الإشكالية في أننا نطرح قضايا ومواضيع تمسنا وتعبر عنا لكن للأسف لا نستطيع إيصالها للجمهور.

10- من هو الجمهور الذي تتوجهون له بأعمالكم؟

أنا أطرح مواضيع أرى أنها تمس أي إنسان في أي مكان. ليس دائمًا تركيزي على أن تكون المواضيع تخاطب الليبيين فقط، حتى لو كان المحتوى ليبيًّا، ولكن هي قضايا إنسانية ممكنٌ أن تكون موجودة في أي مكان.

فمثلًا شخصية البطل في فيلم (العشوائي)، هذه الشخصية ممكنٌ أن تكون في أي دولة في العالم لا تتوفر فيها حقوق الناس واحترام اختلافاتهم، كذلك شخصية الوزير في فيلم “صعود”، فهو يجسد نموذجًا لوزراء موجودين في أي دولة من دول العالم الثالث.

أعتقد أن مواضيعنا إنسانية وليست مواضيع هدفها المشاهد الليبي فقط، لأنني أتوجه بفني الليبي وواقعي الليبي إلى داخل ليبيا وخارجها.

11- هل يمكن أن تعود السينما الليبية إلى مكانتها ودورها الفعّال في المجتمع الليبي؟

المشكلة الحقيقية اليوم -كما قلت- تتمثل في انعدام دور العرض، إنك تصنع أفلامًا لكن لا تجد أين تعرضها. الفيلم السينمائي يجب عرضه في ظروف تقنية ممتازة لضمان قيمته.

لكن نتمنى أن يكون ازدهار في قطاع السينما، وأن تتوفر وسائل الدعم سواء من داخل ليبيا أو خارجها، كما نتمنى أن يكون لكم دور في توعية الناس أكثر بأهمية الفيلم السينمائي، لعل وعسى تتوسع ثقافة السينما وتعود دور العرض في البلاد لعرض أعمالنا وتقديمها.

الكاتب:
شيماء التابعي تصوير:
مادغيس أومادي