في طرابلس، لا تحتاج الذاكرة إلى خرائط كي تستعيد طريقها إلى الأماكن التي اختفت. هناك، في شارع الوادي، كانت تقف سينما لوكس، واحدة من أبرز دور العرض التي كانت جزءًا من الحياة اليومية للمدينة في ستينيات القرن الماضي. لم تكن مجرد قاعة لعرض الأفلام، بل فضاء اجتماعيًّا وثقافيًّا، التقت فيه الحكايات وتقاطعت فيه الأزمنة. 

اليوم، لم يبق من هذه القاعة سوى أثر باهت في ذاكرة روّادها، بعد أن تحولت إلى محال تجارية، واختفت من المشهد العمراني؛ لتضيع تفاصيل تجرِبة سينمائية كاملة شاهدة على ذاكرة جيل كامل.

ويأتي ذلك ضمن سياق أوسع شهدت فيه مدن ليبية، مثل طرابلس وبنغازي، انتشارًا واسعًا لدور السينما، من بينها: سينما الودّان، وكاتانيا، وريفولي، وقابي، والبرنيتشي، والحرية، والنصر، وغيرها. 

ومع التحولات السياسية بعد عام 1969، لا سيما في السبعينيات، دخلت السينما مرحلة من التراجع، إذ عُدّت آنذاك أداة لـ”الغزو الثقافي”، ما أدى إلى إغلاق معظم دور العرض أو تغيير نشاطها. ورغم محاولات متفرقة لإحياء هذا القطاع، لا تزال ليبيا تفتقر إلى دور عرض سينمائية حديثة وفاعلة، فيما تحولت العديد من القاعات القديمة إلى مبانٍ مهجورة أو هدمت، ومن ثم فقدت وظيفتها الثقافية. 

 

مع تغيّر الزمن، لم تعد سينما لوكس مجرد قاعة عرض، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة طرابلس العمرانية والثقافية. اختفاء هذا النوع من دور السينما لم يكن حدثًا منفصلًا، بل جزءًا من تحول أوسع في المدينة، فقد تراجعت قاعات العرض لحساب مشاريع تجارية، لكن ما بقي هو الذاكرة وما تحويه من لحظات شراء تَذْكِرَة الفيلم، والمشي في الممر وصولًا إلى قاعة العرض، والمقاعد المرقمة، والنقاشات الطويلة بعد انتهاء العرض. 

 

 

 

صوت الموسيقى

 

كانت سينما لوكس تقع في شارع عمرو بن العاص بطريق الوادي، وتعد من دور العرض التي خصصت في بداياتها للأجانب، لا سيما الإيطاليين، في أثناء الوجود الإيطالي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن معظم دور العرض في زمن ما قبل الحرب العالمية الثانية شيدت على يد مستثمرين إيطاليين، كما أن بناء سينما لوكس ينسب إلى المهندس الإيطالي أنتونيو تشيتشيريكو.

يذكر أن زمن الاستعمار الإيطالي (1911-1943) وما بعده اشتهر بوجود مهندسين ومعماريين إيطاليين صمموا وبنوا معالم عدة في طرابلس، مثل: سينما الودان، وريفولي، وكـاتـانيـا. 

 

عرفت سينما لوكس بكونها دار عرض ومسرحًا في الوقت نفسه، وكانت من أرقى دور العرض الشتوية في المدينة، إذ تميزت بنظافتها وتقديم خِدْمَات البوفيه لروّادها، وقد اشتهرت بعرض الأفلام الأمريكية المهمة، مثل “الهروب الكبير” و”صوت الموسيقى”. 

وكانت سينما لوكس، لمالكها ومؤسسها الحاج سليمان مصطفى الزني، تضاهي دور العرض الكبرى في القاهرة وبيروت وتقارَن بها، وتعرض على شاشتها أحدث الأفلام الأمريكية بعد شهر من عرضها في دور العرض الأمريكية.

 

 

متعة بصرية

 

في ليبيا، لم تكن السينما مجرد شاشة تُعرض عليها الأفلام، بل كانت جزءًا من إيقاع المدينة اليومي. على امتداد شوارعها، تتابعت دور العرض كنوافذ كبيرة مفتوحة على العالم، ومن بينها سينما لوكس التي احتفظت بمكانتها في ذاكرة روّادها. هناك، كانت الأمسيات تقام بعدد العروض، وتتشكل الحكايات في الظلّ، فيما تتقاطع خطوات الداخلين مع ضوء الملصقات المعلّقة على الواجهة.

لم تكن سينما لوكس تختلف كثيرًا عن غيرها من دور العرض في ذلك الزمن، لكنها، مثلها، منحت المدينة لحظات من المتعة البصرية، وفتحت أبوابًا على عوالم بعيدة، من القاهرة إلى روما، ومن بومباي إلى هوليوود. ومع تراجع تلك الدور، وانطفاء أضوائها تدريجيًّا، بقيت لوكس، مثل غيرها، شاهدة على مرحلة كانت فيها السينما جزءًا من الحياة، لا مجرد ذكرى تُروى.

 

يقول أحد رواد هذه السينما الأستاذ مصطفى الغماري: سينما لوكس تتميز بهدوء نسبي، وكانت تَذْكِرَة البلكونة تباع بربع دينار. وقبل عرض الفيلم الرئيسي كان يعرض فيلم كرتوني قصير، عادة ما يكون لشخصيات محبوبة مثل “ميكي ماوس”، هذا التقليد لم يكن مجرد مقدمة، بل كان جزءًا من تجرِبة ترفيهية متكاملة، خصوصًا للأطفال والعائلات.

ويضيف: سينما لوكس تأتي في المرتبة الثانية بعد سينما الودان، وكانت تتكون من صالتين: واحدة في الدور الأرضي وأخرى في الدور العلوي. وكانت تعد من أرقى دور العرض في طرابلس، حيث المقاعد المرقمة والبدل الرسمية. 

وكان يقع أمامها فندق النسر الذهبي. وفي بداية الشارع كانت دار سينما الحمراء (الهمبرا)، وقبلها بقالة ماريو الإيطالية لبيع الزيتون والأجبان. 

وتابع: وفي وقت الاستراحة، يمكن شراء بعض المأكولات الخفيفة من بوفيه الحاج مختار، مثل البيبسي (المصقعة) بخمسة قروش، والشوكولاتة باللوز بخمسة قروش، وقرطاس صغير من الفستق بخمسة قروش.

 

 

وهنا، تلتقي حكاية سينما لوكس مع حكايات أخرى لدور عرض اختفت بلا أثر يذكر؛ فلا أرشيف يحفظ تفاصيلها، ولا سجلات توثق ما مر على شاشتها، وكأن هذه القاعات، التي كانت يومًا قلبًا نابضًا للمدينة، انسحبت بهدوء من التاريخ، تاركة خلفها فراغًا في السرد، وأسئلة معلقة عن زمن كان فيه الضوء المنبعث من الشاشة جزءًا من حياة الناس، لا مجرد ذكرى بعيدة.

لم تكن سينما لوكس مجرد قاعة عرض، بل فضاء اجتماعيًّا متكاملًا، يجمع بين الفن والحياة اليومية، ويختزن في تفاصيله ذاكرة مدينة كاملة ما زالت حاضرة في وجدان من عاشوا تلك المرحلة.

 

 

غياب التوثيق

 

لم يكن اختفاء دور السينما في طرابلس مجرّد تراجعٍ لنشاط ترفيهي، بل كان اختفاءً لذاكرة كاملة لم تكتب. فمع مرور الزمن، أُغلقت دور عرض كانت تضج بالحياة، مثل سينما لوكس وغيرها من دور العرض، التي لم تترك وراءها سوى مشاهد سعيدة في ذاكرة روّادها، فلا تواريخ دقيقة لتأسيسها، ولا سجلات تحفظ أسماء الأفلام التي عرضت على شاشاتها، ولا حتى صورًا كافية توثق حضورها في نسيج المدن. 

في غياب الأرشيف، تصبح الحكايات الشفوية البديل الوحيد: روايات متفرقة عن أمسيات مزدحمة، وضحكات تعالت في العتمة، ووجوه تعرفت على العالم عبر شاشة بيضاء. لكن هذه الذاكرة، مهما اتسعت، تظل مهددة بالتلاشي، تمامًا كما تلاشت المباني نفسها أو تغيرت وظائفها.

 

هكذا، لا تختفي دور العرض وحدها، بل يختفي معها جزء من تاريخ المدينة الثقافي، وتتحول إلى فراغٍ، لا يملؤه سوى الحنين وأسئلة عن تلك الأماكن؟ وماذا كانت تعني لناسها؟ 

لا يقاس حضور الأماكن بما بقي منها ماديًّا فقط، بل بما حُفظ منها في الذاكرة والوثائق. غير أن كثيرًا من معالم المدن الثقافية، ومن بينها دور العرض، تبدو اليوم كأنها مرت دون أن تترك أثرًا مكتوبًا يوازي حضورها السابق. 

هذه الفجوة لا تخص سينما لوكس وحدها، بل تُظهر خللًا أوسع في الأرشفة الثقافية في ليبيا، فالتوثيق ضعيف أو مهمش، سواء بسبب غياب مؤسسات متخصصة، أم نتيجة التحولات السياسية التي أعادت ترتيب الأولويات على حساب الذاكرة الثقافية. ومع مرور الزمن، تراجعت دور العرض، وأُغلقت، وتحول بعضها إلى محال تجارية أو مبانٍ مهجورة، من دون أن يُوَثَّقَ تاريخُها أو يُحْفَظَ تراثُها البصري.

 

في المقابل، بقيت الذاكرة الشفوية هي المصدر الوحيد تقريبًا لاستعادة تلك المرحلة. لكن هذه الذاكرة، على أهميتها، تظل هشّة وقابلة للتآكل، إذ ترتبط بالأفراد لا بالمؤسسات، وهنا تتجلى المفارقة: تجرِبة سينمائية واسعة، على امتداد مدن ليبية عدة، تقابلها مادة توثيقية ضئيلة، لا تعبر عن حجمها الحقيقي.

إن غياب الأرشيف لا يعني فقدان معلومات فقط، بل فقدان سياق كامل لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية، فسينما لوكس لم تكن مجرد قاعة عرض، بل فضاءً للنقاشات، ومؤشرًا على انفتاح المدينة على العالم، وحين تغيب وثائقها؛ يغيب معها جزء من سردية المدينة نفسها.

لذلك فالحاجة ملحة اليوم إلى استعادة هذا الأرشيف، بجمع الشهادات، والبحث عن الصور المبعثرة، وتوثيق ما بقي من ذاكرة الأماكن، فبين ما كان وما لم يكتب، تقف سينما لوكس مثالًا صامتًا على ذاكرة لم تُمنح فرصة البقاء. 

 

 

الكاتب:
خلود الفلاح