أسامة الفيتوري صِحفي وصانع أفلام وثائقية ليبي، بدأ مسيرته في العمل الصِّحفي عام 2011، ثم دخل عالم الأفلام الوثائقية عام 2014، وتخصص آخر أربع سنواتٍ بملف الهجرة. 

أخرج أفلامًا وثائقية كثيرة وشارك في إنتاج عدد منها، أبرزها فيلم أوروبا: سياسة الهجرة القاتلة؛ وهو فيلم تحقيق يستقصي الآثار الإنسانية القاتلة لسياسات الاتحاد الأوروبي في إدارة الهجرة عبر شمال إفريقيا، وقد فاز بجائزة Prix Europa 2025

نالت أعماله الأخرى سبع جوائز عالميّة مرموقة، مثل: CIVIS Medienpreis وRobert Geisendörfer Preis، ورُشّح بعض أفلامه لمهرجانات دولية وجوائز مثل: Grimme Preis وStern Preis.

في حوار له مع مؤسسة ليبيا للأفلام، شاركنا آراءه بخصوص صناعة الأفلام وواقع ليبيا اليوم. 

 

 

 

1- ما عدد الأفلام الوثائقية التي شاركتَ فيها، وما الأدوار التي تولّيتها؟

 

شاركت في صناعة 11 فيلمًا وثائقيًّا، اختلف دوري فيها من عمل إلى آخر: ففي بعض المشاريع تولّيت مهمة الإخراج، وفي أخرى عملت مخرجَ تصوير، أو في الإعداد والتصوير، وذلك حسب طبيعة الفيلم ومتطلبات الإنتاج.

منها ثلاثة أفلام توليت فيها الإعداد والإخراج والعمل كاملًا بمفردي، أما باقي الأفلام فكانت بالتعاون مع شبكات وشركات إنتاج مثل HBO وVice وBBC وغيرها…

 

 

2- من واقع خبرتك، كيف يمكن للأفلام الوثائقية أن تساهم في رفع وعي المجتمع بالقضايا الإنسانية والاجتماعية في ليبيا؟

 

في رأيي، وباختصار، يمكن للأفلام الوثائقية أن ترفع وعي المجتمع بالقضايا الإنسانية والاجتماعية عن طريق بعض النقاط الأساسية:

أولًا: توثيق الواقع أو الوضع الحالي، فحين أنقل قصصًا حقيقية عن التهجير أو النزوح والمصالحة وحقوق الإنسان وغيرها؛ تُظهر هذه القصص البعد الإنساني وتكسر التعتيم أو الخوف لدى الناس من النقاش في مثل هذه المواضيع.

ثانيًا: توليد التعاطف لدى الأفراد أو الأطراف الأخرى في المجتمع، لأن السرد البصري يساعد على خلق التعاطف وفتح نقاش مجتمعي بنّاء بعيدًا عن الاستقطاب.

ثالثًا: توفير منصة لسماع أصوات الضحايا في المجتمع، ففي الوقت الذي تهتم فيه شبكات الإعلام في ليبيا بتوجيه الخطاب للشريحة التي تؤيدها، تمنح الأفلام الوثائقية المجال للشريحة المضطهدة لتعزيز مشاركتها والمساءلة.

وأخيرًا: قدرتها على التأثير في السياسات، إذ يمكن للوثائقيات المبنية على حقائق أن تلفت انتباه صناع القرار والمنظمات القانونية والدولية.

 

 

 

 

3- هل تعتقد أن الأفلام التي تصنعها يمكن أن تغيّر نظرة المجتمع أو السياسات للهجرة والقضايا الإنسانية؟

 

نعم، أعتقد أن الأفلام التي أصنعها قادرة على تغيير نظرة المجتمع، وأحيانًا التأثير في السياسات المرتبطة بالهجرة والقضايا الإنسانية. 

وهذا بتقديم قصص إنسانية صادقة. أعمل على كسر الصور النمطية السائدة، وبناء تعاطف أعمق مع المهاجرين والضحايا، وهو ما يمكن أن يخلق ضغطًا أخلاقيًّا وإعلاميًّا يدفع صناع القرار إلى اعتماد سياسات أكثر إنسانية، لا سيما عندما تصل هذه الأعمال إلى المجتمع المدني والجهات الدولية.

 

 

4- في رأيك ما التأثير الحقيقي لسنوات الصراع والعنف على صناعة الأفلام في ليبيا؟ وما التحديات الكبرى التي تواجه صانعي الأفلام الليبيين اليوم؟

 

أدّت هذه الحروب إلى إيقاف كل المظاهر الفنّية في البلد، ولكن في رأيي ليست المشكلة مرتبطة بالصراع والحروب فقط كما يظن البعض؛ بل أهم التحديات هي التعامل مع المجتمع نفسه، فالكثير من الناس يرون السينما شيئًا قد يضر بالمجتمع أو يتعارض مع قيمه؛ هذا يجعل من الصعب على صانعي الأفلام تقديم أعمال جريئة أو معالجة قضايا حساسة ومهمّة دون مواجهة رفض أو تحفظات كبيرة.

إضافة إلى ذلك، تكمن تحديات تنظيمية، مثل ضعف حماية حقوق صانعي الأفلام، وغياب نقابات أو هيئات قوية تدافع عنهم.

 

 

 

 

5- كيف يمكن التغلّب على هذه التحدّيات أو تقليلها إلى مستوى مقبول على الأقل؟

 

الحل يكمن في نظريّة الصدمة، فالمبالغة في الحديث عن الشيء يقلّل استهجانه، هذا ما يحتاج إليه المجتمع لجعل فكرة السينما أكثر قبولًا تدريجيًّا، حتى تصبح مألوفة وموضوعية بدل أن يُنظر إليها على أنها خطرٌ على المجتمع. 

من الضروري وجود حماية قانونية لصانعي الأفلام أيضًا، بواسطة نقابات وهيئات داعمة، وضمان وجود إدارة أكثر احترافية تركز على دعم المواهب والإبداع. 

 

 

6- كيف تقيّم تجرِبتك في صناعة الأفلام داخل ليبيا مقارنة بالعمل في بيئات أخرى؟ وما أهم الدروس التي تعلمتها من هذه التجرِبة؟

 

في الحقيقة، ربما سيستغرب البعض ذلك، لكنّ كل عملٍ عملته وسْط ليبيا كان أكثر متعة من غيره؛ لأنّه كان أكثر تحدّيًّا. 

في ليبيا، مثلًا حيازة الكاميرا في حد ذاتها بمثابة حيازة ممنوعات، والحصول على إذنٍ للتصوير يتطلب مجهودًا مضاعفًا، ولكن النتيجة دائمًا كانت أكثر قيمة لي، ربما لأنها لم تكن سهلة، ونجاحي مع العقبات يجعلني راضيًا أكثر عن النتيجة، وعلّمني كيف أطوّع كل الظروف وأجعلها تخدم عملي. 

ولأنها بلادي، لا أستطيع إلا أن أحبّها، حتى وإن بدا العيش فيها صعبًا، ولكنّي أتمنى دائمًا أن أكون قادرًا على المشاركة في التغيير عن طريق الأفلام التي أصنعها. 

 

 

 

 

7- في الختام، ما الرسالة التي توجهها للشباب الجديد الراغب في دخول عالم صناعة الأفلام الوثائقية؟ 

 

رسالتي للشباب الذين يدخلون عالم الأفلام الوثائقية هي أن يركزوا على القصة قبل كل شيء. لا تحتاجون إلى معدات باهظة الثمن بقدر ما تحتاجون إلى تحقيق عميق وجوهر قوي للقصة. 

خذوا الوقت الكافي للاستماع لجميع الأطراف، ولا تتعجلوا الإنتاج؛ فالأعمال التي قد تكون مثيرة للجدل أحيانًا تحمل رسالة أقوى، ولا تقلقوا بشأن إرضاء الجمهور بسهولة، ففي رأيي، القصة الجيدة هي الأساس في عالم الأفلام الوثائقية.

 

 

الكاتب:يقين الأنقر