منذ عقود، لم تحضر ليبيا في السينما العالمية بوصفها مكانًا طبيعيًّا للحياة، أو فضاءً إنسانيًّا متكاملًا، بل غالبًا ما ظهرت على أنها خلفية معتمة للعنف، أو ساحة مفتوحة للإرهاب والفوضى.
هذه الصورة لم تتكون مصادفة، ولم تكن مجرد خيارات فنية بريئة، بل هي نتاج سرديات سياسية وإعلامية، وجدت في السينما أداة فعّالة لإعادة إنتاج الخوف، وتثبيت الصور النمطية في الوعي الجمعي العالمي.
في المقابل، ظل الصوت الليبي السينمائي غائبًا أو مُغيّبًا، ما فتح المجال أمام الآخر ليتحدث عنا، لا إلينا، وأن يرسم ملامحنا كما يشاء، لا على ما نحن عليه.
ليبيا في عين الكاميرا الأجنبية
عند تتبع حضور ليبيا في الأفلام الأجنبية، نلاحظ نمطًا شبه ثابت:
ليبيا = صحراء.
ليبيا = معسكرات مسلحة.
ليبيا = جماعات متطرفة.
ليبيا = دولة بلا ملامح مدنية.
في فيلم (2000) “Rules of Engagement”، ومع أنه لا يذكر ليبيا مباشرة، فإن العالم العربي برمته يُقدَّمُ على أنه كتلة واحدة من الفوضى والعنف، وهي صورة ظهرت لاحقًا في أعمال استُخدمت فيها ليبيا مرادفًا للمكان “الخطر”.
أما فيلم (2016) “13 Hours: The Secret Soldiers of Benghazi”، فقد كان المثال الأوضح على اختزال ليبيا في حدث أمني واحد، قُدِّم من زاوية أمريكية خالصة، ركّزت على البطولة العسكرية، وأهملت السياق الليبي الإنساني والاجتماعي تمامًا.
لم يكن الفيلم وثيقة تاريخية بقدر ما كان إعادة صياغة للواقع بما يخدم خطابًا سياسيًّا محددًا، فقد ظهر الليبيّون في معظم المشاهد بلا أسماء، بلا خلفيات، بلا دوافع، مجردُ تهديد بصري دائم.

لقطة من فيلم 13 ساعة: جنود بنغازي السريين (2016)
إشكالية السرد: من يملك القصة؟
المشكلة الأساسية ليست في أن تُنتج أفلام أجنبية عن ليبيا، بل في أن تكون هذه الأفلام هي المصدر شبه الوحيد لرسم صورة ليبيا في الوعي العالمي. السينما، بوصفها لغة عابرة للحدود، لا تكتفي بعرض الأحداث، بل تصنع الانطباعات، وتؤسس للذاكرة، وتحدد من هو الضحية ومن هو الجاني.
حين لا نمتلك نحن سردنا السينمائي، يصبح الآخر هو الراوي، وتصبح رؤيته -مهما كانت مجتزأة أو منحازة- هي الحقيقة الوحيدة المتداولة.
غياب السينما الليبية القادرة على المنافسة الدولية ترك فراغًا خطيرًا، ملأته أعمال لا تعرف ليبيا إلا من زاوية الكاميرا العسكرية أو نشرات الأخبار.
بين أسد الصحراء وما بعده: الفرصة الضائعة
كان فيلم أسد الصحراء (1981) استثناءً نادرًا، إذ قدّم ليبيا بوصفها وطنًا مقاومًا، له تاريخ، وله قضية، وله وجوه إنسانية. لكنه بقي حالة منفردة، لم تتبعها موجة سينمائية ليبية تُراكم على هذا المنجز.
بعد ذلك، تراجعت السينما الليبية إلى الهامش، سواء بسبب الظروف السياسية، أم غياب البنية الإنتاجية، أم انعدام الدعم المؤسسي المستدام. وهكذا، في الوقت الذي كانت فيه دول أخرى تعيد كتابة صورتها بواسطة السينما، بقيت ليبيا أسيرة صورة واحدة يعاد تدويرها بلا مقاومة.

لقطة من فيلم أسد الصحراء (1979)
السينما المضادة: ضرورة لا رفاهية
الحديث عن “سينما مضادة” لا يعني صناعة أفلام دعائية أو تبريرية، بل إنتاج سينما صادقة، إنسانية، تعترف بتعقيدات الواقع الليبي دون أن تسلّمه للتشويه. سينما ترى الإنسان الليبي في حياته اليومية، في مدنه، في تناقضاته، في أحلامه، لا في لحظة السلاح فحسب.
السينما المضادة هي التي تنتزع حق الكلام، وتعيد تعريف المكان خارج ثنائية “الإرهاب أو الصحراء”، وتقدم ليبيا بوصفها مجتمعًا حيًّا، لا مشهدًا إخباريًّا عابرًا.
دور مؤسسة ليبيا للأفلام: من الرعاية إلى الرؤية
في هذا السياق، تبرز أهمية وجود مؤسسة تُعنى بالسينما بوصفها مشروعًا ثقافيًّا وإستراتيجيًّا، لا مجرد نشاط فني. دعم الأفلام المستقلة، وتشجيع الأصوات الشابة، وإتاحة منصات عرض محلية ودولية، وبناء أرشيف بصري ليبي، كلها خطوات ضرورية لإعادة التوازن إلى الصورة.
المؤسسات السينمائية لا تصنع الأفلام فحسب، بل تصنع المناخ الذي يسمح بولادة خطاب بصري وطني قادر على مخاطبة العالم بلغته.

نحو سينما تعرّف بنا لا عنا
ليبيا لا تحتاج إلى تلميع صورتها، بل إلى استعادتها، تحتاج إلى سينما تقول: نحن هنا، نروي قصتنا بأنفسنا، بكل ما فيها من ألم وأمل.
حين نصنع أفلامًا عن مدننا، عن نسائنا، عن شبابنا، عن تاريخنا القريب والبعيد، نكسر احتكار الصورة، ونفرض وجودنا في المشهد العالمي بصفتنا “صُنّاع معنى”، لا مجرد خلفية لأحداث الآخرين.
إن استمرار ليبيا في الغياب السينمائي يعني استمرار تشويه صورتها بلا مقاومة.
والسينما، كما أثبت التاريخ، ليست مرآة محايدة، بل أداة قوة ناعمة، من يملكها يملك القدرة على التأثير في الذاكرة والوجدان.
الرهان اليوم ليس على فيلم واحد، بل على مشروع متكامل يعيد للكاميرا الليبية دورها الطبيعي: أن تكون شاهدًا على الحياة، لا أداة لتزييفها.
وحين ننجح في ذلك، لن نغيّر نظرة العالم إلى ليبيا فحسب، بل سنغيّر نظرتنا نحن إلى أنفسنا، وهذا هو الانتصار الحقيقي للسينما.