كان المشهد الأول مؤلماً ومفعماً بالأسى، ففي صبيحة أحد أيام مارس 2023 استيقظت على منشور في موقع فيسبوك يعلن عرض كراسٍ للبيع تعود إلى صالة عرض سينمائي، وتحديدًا سينما «برنيتشي». وكان المكان أحد الأسواق الشعبية في بنغازي، المعروف بـ “سوق جنيهين“.

 

 

عندها طرح السؤال نفسه ما الذي حدث؟

 

لقد تم هدم مسرح وسينما برنيتشي، لتطوى بذلك قرابة مائة عام من عروض الأفلام والحفلات الموسيقية والغنائية العربية والأوروبية.

وبحسب مؤرخون ليبيون أن خشبة مسرح برنيتشي احتضنت عروضا موسيقية إيطالية عديدة قبل أن يتعرض جزء منه للتدمير عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، ثم جرى تحويله لاحقاً إلى دار للسينما. وعلى هذه الخشبة أقيمت حفلات لكبار المطربين العرب، من بينهم كوكب الشرق أم كلثوم عام 1969، ووردة الجزائرية عام 1977. كما شهد المكان عرض فيلم الرسالة عام 1976، وفيلم إمبراطورية غوار عام 1983، فضلًا عن العديد من الأفلام المصرية والهندية وأفلام الكاوبوي التي شكلت جزءا من ذاكرة رواد السينما في المدينة.

 

 

ماذا حدث؟

 

تعرض مبنى سينما برنيتشي لعدة عمليات تدمير وخراب، الأولى في السبعينيات، والثانية عام 1984، حيث التهمه حريق كبير وعلى أثره ترك مهجورا لسنوات طويلة. وفي عام 2016، تهدم جزء كبير منه بسبب الحروب الليبية. قبل أن يهدم بالكامل في مارس عام 2023.

وتشير الجهات الرسمية في مدينة بنغازي إلى أن قرار هدم مبنى مسرح وسينما برنيتشي جاء في إطار حملة إزالة المباني المتضررة وسط المدينة، وذلك بعد أن أثبتت التقارير الهندسية أن المبنى تعرض لدمار واسع خلال حرب 2014–2017 وفقد جزءا كبيرا من بنيانه، مما جعله غير قابل للترميم أو للاستخدام الآمن.

كما أدرجت البلدية المبنى ضمن نطاق مشروع إعادة تخطيط وسط البلاد، مؤكدة أن وضعه المتهالك يعيق أعمال إعادة الإعمار والبنية التحتية. وإلى جانب ذلك، لم تتوفر أي خطط رسمية أو مصادر تمويل لإعادة ترميمه أو استثماره ثقافيًا، ما عزز التوجه نحو إزالته بالكامل في مارس 2023 باعتباره خطرا إنشائيا وعقبة أمام التطوير العمراني في المنطقة.

 

 

لقطة داخلية لمسرح وسينما برنيتشي؛ تصميم: المعمارية سجى الجطلاوي، وإظهار: معتصم سلامة

 

 

بقايا القلعة العثمانية

 

وبحسب كتاب “التطور العمراني لمدينة بنغازي: 1911 ـ1940 ” للمؤلف عبد الستار محمد الفقيه، يعدّ مبنى سينما ومسرح برنيتشي واحدا من أهم الشواهد المعمارية في شارع كورسو إيطاليا (شارع الاستقلال حاليا)، وهو تحفة إيطالية حقيقية، إذ يُعد بمعايير أواخر عشرينيات القرن الماضي من الأعمال الفريدة التي لا تتكرر.

يقع المسرح، الذي عرف لاحقًا باسم دار عرض بنغازي، عند تقاطع شارع روما (عمر المختار حاليا) مع شارع كورسو إيطاليا. وقد شيد على جزء واسع من أرض حصن القلعة التركية، وبدأ العمل في بنائه عام 1927، ليفتتح رسميا في 28 أكتوبر 1932.

بدأ المشروع بإزالة بقايا القلعة العثمانية التي كانت تطل على الحديقة العمومية وساحة الملح. وكلف الوالي أتيليو تيروسي المعماريَّين بياشينتيني وبيتشيناتو بوضع التصاميم والرسومات التفصيلية للمبنى، بينما تولّت شركة فونتانا تنفيذ أعمال البناء.

 

 

لماذا هذا المبنى تحفة إيطالية؟

 

لأن المسرح يتميز بصالة كبيرة تضم 700 مقعد موزعة على شكل شبه دائرة، وتتجه أرضيتها بانحدار نحو المنسوب المنخفض الخاص بالأوركسترا. ويضم المسرح شرفتين، إضافة إلى ست بلكونات صغيرة تقع على جانبي خشبة المسرح.

ويعلو الصالة قبة كبيرة قابلة للفتح والإغلاق لتهويتها، تحتوي على فتحة تهوية تبلغ مساحتها 68 مترًا مربعًا. كما جهز المسرح بمعدات كهربائية وميكانيكية متطورة وفق أحدث تقنيات تلك الفترة، ونفذت أرضيته برخام روفيردي سلوفانيا.

تستوعب الصالة والشرفتان معًا أكثر من 1300 مقعد، بينما تبلغ مساحة خشبة المسرح 400 متر مربع، بعمق يصل إلى 14 مترا، وارتفاع ستارة مسرح يبلغ 18 مترا. وترتبط بخشبة المسرح عدة حجرات صغيرة مخصصة للعروض المسرحية.

ونظرا لارتفاع تكلفة التنفيذ، ولتأمين إيرادات إضافية، أُضيف إلى شرق المسرح مبنى يضم شققا فاخرة ومكاتب، كما أضيف مبنى آخر إلى الجهة الغربية يضم مقهى في الطابق الأرضي، وشققا ومكاتب فاخرة في الطابق الأول.

 

 

تأسس مسرح وسينما «برنيتشي» في عام 1928 وتم هدمه في عام 2023

 

 

أين تذهب هذا المساء؟

 

ويقول الباحث عبد السلام الزغيبي: “كانت الناس تهوى الذهاب إلى السينما، والتعرف على الأفلام من خلال الجرائد اليومية التي كانت تصدر في بنغازي، والتي كانت تخصص صفحة تحت عنوان (أين تذهب هذا المساء؟). وكانت القاعات ممتلئة على آخرها. يجلس عامل أمام الباب المؤدي إلى صالة العرض يُعرف بـ “قاطع التذاكر”، الذي يفحص التذكرة ويُمزقها بعد أن يعطيك نصفها”.

ويتابع: في الخارج، كان هناك شخص ينادي على بضاعته: “قز.. قز”، ويوزع مشروب السينالكو والأناناس والبرتيلو. كما كانت تُباع في الخارج الزريعة والكاكاوية ومستكة السبع وشوكولاتة قرشين، وسندوتشات خليفة الغرياني في كشك بجانب سينما الحرية.

 

 

 

مالك المصباح

 

وأفاد الزغيبي، بالنسبة لنا نحن صغار السن، لم نكن نملك ثمن شراء التذكرة للدخول “بوليت”، فكنّا نضطر إلى اللجوء لطريقة انتظار أحد الرجال الأكبر سنا، أو ما كان يُعرف بـ “خششني يا سيدي”.

ويضيف: “كنا نغتنم فرصة العيد للذهاب إلى السينما، التي كانت تعرض فيها أفلامًا، مثل أفلام طرزان، وأفلام الكاوبوي، وأفلام شارلي شابلن. التي كان يؤدي أدوارها ممثلون مشهورون. كان الذهاب إلى السينما عادة يتم في شكل مجموعة من شخصين فأكثر، ونادرًا ما كان يدخل شخص بمفرده.

تتوزع مقاعد السينما حسب الممرات، منها ممران أو ثلاثة، وعادةً ما تكون مقاعدها مثبتة على الأرض ومرصوصة في صف واحد. وكان هناك عامل مرشد يحمل مصباحًا يدويًا، مهمته تسهيل وصول المرتادين المتأخرين وإرشادهم بهدوء إلى المقاعد الفارغة”.

 

 

فيلم سبارتاكوس

 

يقول القاص فتحي نصيب: “عمل والدي في فترتي الظهيرة والمساء في سينمات برنيتشي وريكس، وكان مسؤولًا عن تشغيل آلة العرض. ومن خلال الفتحات الصغيرة في غرفة العرض كنت أراقبه وهو يتولى تغيير البكرات، وأتعلم منه كيفية إعادة تهيئة الشريط يدوياً، وتمريره عبر تروس الآلة، ولصقه عند انقطاعه.

كانت برنيتشي وريكس ـ لصاحبهما سليمان الزني ـ من أرقى دور العرض في بنغازي من حيث النظام والتنظيم والنظافة، مع مقاعد مبطنة وستارة مخملية تفتح ببطء”.

وتحدث فتحي نصيب عن ثقافة الذهاب إلى السينما كعادة اجتماعية واسعة الانتشار، حيث تشهد الصالات ازدحاما كبيرا برواد يقصدونها فرادى أو جماعات وحتى كعائلات. واستطرد: ومن الأفلام التي أثرت فيّ صغيراً فيلم “سبارتاكوس” الذي علّمني أن الحرية أثمن ما في الوجود، إضافة إلى أفلام الواقعية الإيطالية لبازوليني وروسليني، وأعمال المخرج كوستا جافراس، وأسابيع السينما الفرنسية.

ويتابع: تعدّدت وسائل المعرفة الثقافية والأدبية التي ساهمت في تشكيل جيل الستينيات والسبعينيات في ليبيا منها: المدرسة، والأندية الرياضية ومنها نادي الهلال الذي ندوات وأمسيات شارك فيها طالب الرويعي، محمد زغبيه، علي الفزاني، خليفة الفاخري، حسين مخلوف، نزار قباني، عبدالوهاب البياتي وآخرون.

والمسرح، والسينما، والصحف والمجلات الليبية مثل الحقيقة، والرائد، والبلاغ، والربورتاج، والبشائر، وليبيا المصورة، وقورينا، والأمة، والرقيب والصحافة المصرية واللبنانية. والراديو، والتلفزيون، والمكتبات العامة، والمراكز الثقافية العربية والأجنبية. وعروض الأفلام بالسيارات المتنقلة. والمقاهي ومن أبرزها: مقهى العرودي، والترهوني، ومقاهي سوق الحوت، والعمال، والرياضي، ودمشق، وشمسة، وأكرم، وتيكة.

ويضيف: “في المدارس، من الابتدائية حتى الثانوية، كانت المكتبة جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية. كنا نستعير كتابًا كل أسبوع ونكلّف بعرض ملخصه أمام مدرس اللغة العربية. كما كنا نصدر الصحف الحائطية أسبوعيًا، وقد أصدرت مع زملائي صحيفة “الفكر الحر” كتابة وإخراجًا. إضافة إلى المساهمة في الإذاعة المدرسية”.

 

 

كراسي مسرح وسينما «برنيتشي» بعد هدمها، تُباع في أحد الأسواق الشعبية

 

 

المسرح والسينما

 

ويشير فتحي نصيب إلى أن المسرح لعب دورا مهما أيضا من خلال تقديم الروائع الليبية تأليفا وإخراجا إلى جانب عرض أعمال عربية وعالمية لتوفيق الحكيم ومعين بسيسو والفريد فرج وسعد الله ونوس وسمير سرحان ودورينمات في بنغازي وطرابلس ومصراتة وصبراتة ودرنة والبيضاء والمرج على خشبة المسرح الشعبي والحديث والعربي والوطني والكشاف وغيرها.

وكان هناك أساتذة مصريون أسهموا في تنشيط الحركة المسرحية أذكر منهم السيد راضي وعبدالغني قمر وزين العشماوي وعمر الحريري ومحمد توفيق.

ويضيف: في ما يتعلق بالسينما، أظن أنها لعبت دورا مهما في نشر الوعي ولم ينحصر دورها وسائل كوسيلة ترفيه فقط، فمن خلالها اكتسبتُ- كغيري – معرفة بالشعوب والثقافات الأخرى، فقد كانت تُعرض أفلام مصرية وأمريكية وإيطالية وفرنسية وهندية وغيرها مع اختلاف موضوعاتها وتقنياتها.

ويتابع: اذا حصرنا الحديث عن بنغازي ـ بحكم إنني عشت بها طفولتي وشبابي ـ كانت هناك عدة صالات عرض منها: 9 أغسطس والنهضة والحرية وبرنيتشي وريكس وهايتي والوحدة وليبيا والهلال والزهراء والفردوس والنجمة.
كما أنني أذكر انه كانت جميع صالات العرض تقدم أفلاما مجانية في عيد الطفل، إضافة إلى أن الطلبة كان من حقهم الدخول بنصف الثمن لأي دار سينما.

ويختم “للأسف لحق الإهمال والتهميش دور السينما بل تحول بعضها في الثمانينات إلى مراكز للشرطة وهدم معظمها في بنغازي وطرابلس وباقي المدن”.

 

الكاتب:
خلود الفلاح