في سبعينيات القرن الماضي تغيرت ملامح السينما في بلادنا، فانتقلت من مرحلة مزدهرة كادت أن تصل بها إلى الريادة السينمائية، إلى مرحلة خَفَتَ فيها ضوء قاعات العرض؛ بعد قرار تأميم دور السينما وانتقال العملية السينمائية من القطاع الخاص إلى القطاع العام.

فوجئ الجمهور بقيود على اختياراته ومتابعته للأفلام، ولم يقتصر هذا التحول على الإنتاج والعرض فحسب، بل أعاد رسم علاقة الليبيين بالشاشة الكبيرة، وأثّر في ذائقتهم السينمائية وثقافتهم البصرية.

 

 

المؤسسة العامة للخيالة:

 

يرى المخرج عبد الله الزروق أن قرار تأميم دور العرض السينمائي حرم المشاهد الليبي من متابعة أفلام ذات قيمة فكرية وفنية، كانت تُعرض في القطاع الخاص حصرًا. ويستطرد قائلًا: بعد عام 1969 بدأت الدولة في فرض رقابة أشد، وصولًا إلى قرار التأميم عام 1973، الذي ألغى الملكية الخاصة لدور السينما وأنشأ المؤسسة العامة للخيالة. ومنذ ذلك الحين تراجع النشاط السينمائي تدريجيًّا، إذ اقتصرت العروض على أفلام تجارية، وأُغلقت القاعات واحدة تلو الأخرى، حتى وصل الأمر إلى مرحلة الانحسار في التسعينيات، قبل أن تتوقف معظم دور العرض نهائيًّا.

ويضيف: إن إيقاف نشاط القطاع الخاص جعل المؤسسة العامة للخيالة الجهة الوحيدة المسؤولة عن استيراد الأفلام، وفق ما يلائم فكرها وتوجهها، من دون النظر إلى قيمتها الفنية أو الفكرية.

واستطرد: “هذا الأمر صنع فجوة بينها وبين المشاهد الذي كان معتادًا على متابعة الأفلام الشهيرة، وفقد الأمل في رؤيتها مجددًا داخل القاعات. وبعد أن كان القطاع الخاص يتنافس في تقديم الأجمل والأحدث، وجد المشاهد نفسه بعد التأميم محصورًا في متابعة الأفلام الهندية وأفلام الكاراتيه التي دفعت الشباب إلى تقليد أبطالها، مثل بروس لي”. 

ونسأله، عن دور المؤسسة العامة للخيالة بعد التأميم، فيقول: كان محدودًا للغاية، إذ اقتصر على إنتاج بعض الأفلام القصيرة التي لم تُعرض حتى في دور السينما، إلى جانب عدد من الأفلام ذات الإنتاج المشترك وأعمال روائية قليلة. إن سيطرة الدولة ورفضها لأي فكر لا يناسبها أمر في غاية الخطورة، لأنه يقيّد حرية الاختيار لدى المتلقي. 

 

 

سينما الزهراء في العاصمة الليبية طرابلس، المعروفة أيضًا باسم “أوديون” (ODEON)، عام 1957

 

دور عرض مهجورة:

 

في هذا الصدد، أفاد الكاتب مفتاح قناو أن المرحلة التالية من تاريخ السينما في ليبيا كانت بتأسيس الشركة العامة للخيالة، وتأميم كل دور العرض السينمائي الخاصة ونقل ملكيتها إلى هذه الشركة، التي -للأسف- لم تُفلح في الصمود طويلًا، ولم تنجح في تحقيق أغراضها، لا من جهة إنتاج أفلام سينمائية ليبية، ولا من جانب حسن إدارتها لدور العرض السينمائي التي آلت إليها، ثم تآكلت شركة الخيالة بمرور الزمن، كما انتهت كل شركات القطاع العام؛ ليصدُر قرار بحل الشركة ويتوقف بعدها العمل نهائيًّا بدور العرض السينمائي، وتصبح أماكن مهجورة مقفلة، لكن لم يستطع أحد الاعتداء عليها، إلى أن رفع بعض المُلّاك السابقين قضايا لاسترداد ممتلكاتهم المؤممة؛ ونجح ورثة خليل الجاعوني في استرداد دور العرض التي كان يمتلكها مورثهم، وباعوها، ثم هدم المشترون الجدد هذه الدور، ومنها سينما الجمهورية بباب بن غشير، وسينما الرشيد، وسينما الرويال وسط المدينة.

ويشير مفتاح قناو إلى أنه بعد عام 2011 عمت الفوضى؛ نتيجة ضعف أجهزة الدولة الأمنية، فاستولى عدد من الأشخاص على دور العرض المتبقية وحولوا واجهاتها إلى دكاكين لبيع السجائر والملابس والخردوات، حاليًّا يغيب عن الأذهان أن خلف هذه الدكاكين توجد قاعات عرض كبيرة، الدولة الليبية والناس في حاجة إليها، مثل مسرح الحمراء في شارع الوادي، القادر على استيعاب عدد كبير من العروض المسرحية والفاعليات الثقافية، مثلما كان يحدث في الستينيات والسبعينيات حين عرضت عليه أهم المسرحيات الليبية.

وعلى جانب آخر -يتابع عبد الله الزروق- بقرار تأميم دور العرض السينمائي صار شراء الأفلام ممنوعًا، لتصبح هذه الدور أسيرة المؤسسة التي تتحكم فيها وفي محتواها، بعد أن كانت تابعة لشركات القطاع الخاص التي تنافست على جلب أحدث الإنتاجات المصرية والسورية والأجنبية إلى ليبيا، بل وقبل عرضها في الدول المنتجة أحيانًا؛ حتى إن فيلم لورانس العرب عُرض في ليبيا قبل أن يُعرض في الدول العربية. كانت تلك الشركات منفتحة على الإنتاج العالمي، وتعرض الأفلام في توقيت متزامن مع عرضها في عواصم العالم، مع الحرص على نظافة القاعات والدعاية الراقية للأفلام. لكن بعد التأميم انهار كل شيء، فتحولت القاعات إلى خرابات، وصارت الأفلام المعروضة تافهة لا ترقى إلى المستوى الثقافي الذي نطمح إليه. 

 

 

سينما الزهراء في العاصمة الليبية طرابلس، المعروفة أيضًا باسم “أوديون” (ODEON)، عام 2015

 

 

حزن السينمائيين الليبيين:

 

عن تاريخ السينما الليبية الذي يتجاوز الـ100 عام، يقول عبد الله الزروق: قبل تأميم السينما، وتحديدًا في عام 1968، تكاملت كل التقنيات السينمائية فأنشِئت معامل التحميض والطبع واشتُريت آلات التصوير من ألمانيا، وبدأت الاستعدادات لقيام سينما وطنية في الوقت الذي كانت فيه أغلب الدول العربية لا تملك مثل ما لدينا. كان ذلك عندما كان الراحل أحمد الصالحين الهوني وزيرًا للإعلام والثقافة؛ كانت لديه الرغبة في قيام سينما ليبية فأنشأ قسم الإنتاج السينمائي، وبدأت المحاولات الأولية في الإنتاج بفيلم “أيام وليالي” من إخراج المخرج المصري عبد الله بركات، ثم توالت الإنتاجات السينمائية.

ثم يستطرد: “كان ذلك الزخم السينمائي علامة على إمكانية أن تكون ليبيا من الدول السباقة في هذا المجال، خاصة مع ظهور الشركات الخاصة وزيارات المنتجين العرب إلى البلاد. لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فمع إنشاء المؤسسة العامة للسينما توقفت جميع الشركات الخاصة، التي كانت الأمل الوحيد في قيام سينما ليبية حقيقية. وسيطر القطاع العام على كل ما يتعلق بالسينما؛ وهكذا ضاع الأمل في أن تكون ليبيا دولة منتجة للأفلام مثل مصر وسوريا ولبنان والجزائر في ذلك الوقت، وكان ذلك محزنًا لنا نحن السينمائيون”. 

 

وختامًا، بعد مسيرة طويلة من الريادة والانقطاع، تقف السينما الليبية اليوم أمام جيل جديد من المبدعين يحمل طموحًا كبيرًا لاستعادة وهج قاعات العرض، وإعادة الصورة السينمائية إلى مكانها في الذاكرة الثقافية الليبية.

 

الكاتب:
خلود الفلاح