مقدمة

السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي مرآة للهوية وفضاء يعبّر عن نبض الشعوب وتحولات المجتمعات. في ليبيا، ظلت السينما سنوات طويلة خارج المشهد الثقافي، وكأنها فصل منسي من حياة المدن.

وحين يُطرح سؤال عودتها اليوم، فإنه يتجاوز مجرد إعادة فتح قاعات عرض مغلقة، ليطرح نفسه على أنه قضية وطنية ترتبط بالثقافة، و بالاستقرار، و ببناء مستقبل مختلف للأجيال القادمة.

عرفت ليبيا العروض السينمائية منذ بدايات القرن العشرين، وعاشت حِقبة ازدهار في الخمسينيات والستينيات حين كانت دور العرض في طرابلس وبنغازي تمثل جزءًا من الحياة اليومية، غير أن السياسات التي اتُّبِعت في سبعينيات القرن الماضي، لا سيما قرارات التأميم، أدت إلى إغلاق معظم القاعات وإقصاء هذا الفن من الفضاء العام، ومنذ ذلك الحين، تحولت المباني إلى مخازن أو مؤسسات حكومية، فيما عاش جيل كامل دون أن يعرف معنى الجلوس في قاعة مظلمة لمشاهدة فيلم على شاشة كبيرة. بعد 2011، ومع أن الإغلاق لم يبدأ آنذاك، فإن الفوضى الأمنية والسياسية زادت الطين بلة، وأجهضت أي محاولة جادة لإحياء هذا الفن.

 

التحديات التي تعيق عودة السينما الليبية

الطريق إلى عودة السينما محفوف بعقبات حقيقية: البنية التحتية غائبة تمامًا، فلا قاعات عرض حديثة ولا استوديوهات إنتاج بمستويات تقنية تنافس إقليميًّا. التمويل كذلك يمثل معضلة، إذ يظل الاعتماد على مبادرات فردية محدودة، بلا دعم مؤسسي ولا استثمارات طويلة الأمد، أمّا الأوضاع الأمنية والسياسية فهي تجعل المستثمرين مترددين في المغامرة في قطاع يحتاج بالضرورة إلى بيئة مستقرة. على صعيد الجمهور، فإن أجيالًا كاملة نشأت على المشاهدة الفردية عبر المنصات الرقمية، وفقدت تجربة المشاهدة الجماعية، ما يجعل إعادة بناء العلاقة بالقاعة تحديًا إضافيًّا.

يضاف إلى ذلك ضعف الكفاءات الفنية، إذ لا توجد معاهد متخصصة على نحو ممنهج لإعداد المخرجين والمصورين وكُتّاب السيناريو والفنيين، الذين يُعدُّون العمود الفقري لأي صناعة سينمائية.

 

دار عرض عمر الخيام، طرابلس – 2006

 

آفاق النهوض… كيف يمكن أن تعود السينما الليبية؟

حتى مع قتامة الصورة، فإن عودة السينما ليست مستحيلة، البداية تكمن في الاعتراف بأن السينما مشروع وطني يحتاج إلى دعم شامل، وليس مبادرات فردية فقط. يمكن لليبيا أن تبدأ بإطلاق مهرجانات سينمائية وطنية قوية، لا لتكون منصات للعرض، بل جسورًا للتواصل بين المبدعين والمستثمرين، كما يمكن استثمار المنصات الرقمية المحلية والإقليمية في خطوة انتقالية، في انتظار بناء البنية التحتية اللازمة لدور العرض. الاستثمار في الكوادر البشرية أمر حاسم، بتأسيس معاهد تدريب وتبادل خبرات مع دول عربية نجحت في هذا المجال، وفي نفس الوقت فإن تشجيع القطاع الخاص على إنشاء قاعات عرض حديثة قد يكون بداية عملية، لا سيما إذا ارتبط ببرامج دعم وتسهيلات اقتصادية.

 

ومضات من تجارب عربية ملهمة

ليبيا ليست استثناءً في تراجع السينما، فالجزائر شهدت بدورها انقطاعًا طويلًا، لكنها وجدت في تاريخها النضالي مادة غنية، فأنتجت أفلامًا ذات بعد إنساني و حضوري عالمي. المغرب كذلك عانى فترات ركود، لكنه راهن على البنية التحتية وحوافز الاستثمار، حتى بات من أبرز وجهات التصوير عالميًّا، أمّا الأردن، فحتى مع حداثة تجربته، استطاع عن طريق سياسات تشجيعية أن يجذب إنتاجات كبرى مثل “The Martian” و”Star Wars”، وغيرها من الدول المجاورة الكثير.

هذه النماذج تثبت أن السينما يمكن أن تنهض حتى بعد عقود من الانقطاع، إذا توفرت الرؤية والإرادة السياسية والدعم المؤسسي.

 

في موقع تصوير الفيلم في الأردن، يشرف المخرج ريدلي سكوت على أداء الممثل مات ديمون في فيلم المريخي.
حقوق الصورة: آيدان موناخان.

 

السينما جزء من مشروع وطني

في ليبيا، لا ينبغي النظر إلى السينما على أنها رفاهية، بل على أنها جزء من عملية إعادة بناء المجتمع. قاعة السينما ليست مجرد مكان للعرض، بل هي فضاء مدني يعيد الثقة بين الناس، ويوفر متنفسًا ثقافيًّا يواجه ثقافة العنف والانقسام. السينما أداة لتعزيز الهُوية الوطنية أيضًا، فالفيلم الليبي قادر على أن يقدم صورة مغايرة للعالم عن ليبيا، بعيدًا عن الصور النمطية المرتبطة بالصراع.

من الناحية الاقتصادية، يمكن لصناعة السينما أن تفتح آفاقًا واسعة لتشغيل الشباب في مجالات تقنية وإبداعية متعددة، وتساهم في تنويع الاقتصاد الوطني. إن إحياء السينما بهذا المعنى ليس شأنًا ثقافيًّا فحسب، بل مشروعًا وطنيًّا يوازي في أهميته مشروعات البنية التحتية والتعليم.

 

الخاتمة

السينما الليبية غابت طويلًا، لكن غيابها لا يعني أنها انتهت، فما أُغلق في السبعينيات يمكن أن يُفتح من جديد إذا توفرت الإرادة والرؤية.

التحديات واضحة، لكن الحلول ليست بعيدة المنال، ما دامت إرادة سياسية، ودعم مجتمعي، واستثمار في الشباب، فإن عودة السينما يمكن أن تتحول من حلم إلى واقع.

حين تضاء الشاشات من جديد في طرابلس وبنغازي وفي مختلف ربوع الوطن، لن يكون ذلك حدثًا ثقافيًّا فقط، بل إعلانًا عن عودة الحياة والثقافة الفنية، وعن إصرار الليبيين على أن الفن ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء مستقبل واعٍ أفضل. 

الكاتب:محمد بن سعود