البداية:

ليبيا، بلد يمتلك ملامح بصرية نادرة: صحراء مترامية الأطراف تلامس زرقة البحر، ومدن رومانية ما زالت شاهدة على التاريخ، وجبال وواحات تحاكي الخيال. هذه الأرض التي أبهرت العالم لم تنل حظها العادل من السينما، مع أن كاميرات هوليوود وقفت هنا ذات يوم.

على امتداد عقود، دخلت فرق الإنتاج العالمية إلى ليبيا لتصوير أفلام صارت لاحقًا من كلاسيكيات السينما، لكن ذلك لم يكن نتيجة لوجود صناعة محلية أو خطة ممنهجة، بل مجرد محطات مؤقتة لصنّاع أفلام وَجَدوا في ليبيا بيئة بصرية تخدم قصصهم.

المشكلة ليست في أن الآخرين جاؤوا وصوروا ورحلوا، بل في أننا لم نكن نحن من يكتب الحكاية. كل فيلم صُوِّر هنا كان فرصة لتثبيت صورتنا في ذاكرة العالم، لكنها ظلت لحظة عابرة لم تُترجم إلى صناعة أو رؤية مستقبلية.

 

الأفلام التي صُوّرت في ليبيا فعليًّا:

 

1- فيلم The Black Tent (1956م):

 

 

صُوّر فيلم “الخيمة السوداء” في مدينة صبراتة الليبية، وهو يُعدّ من أوائل الأفلام الناطقة باللغة الإنجليزية التي صُوّرت فعليًّا في ليبيا.

يحكي الفيلم قصة ضابط بريطاني يعتقد أن شقيقه قد مات في الحرب، فيسافر إلى ليبيا للبحث عنه، ويكتشف لاحقاً أن شقيقه يعيش مع قبيلة محلية. وعلى الرغم من نجاحه النقدي في بريطانيا، لم يساهم الفيلم في تأسيس حركة إنتاج سينمائي محلية مستدامة.

وإلى جانب فيلم “بنغازي” (1955)، يُعتبر “الخيمة السوداء” أحد الأفلام الروائية القليلة التي تدور أحداثها في الأيام الأخيرة من الإدارة العسكرية البريطانية في ليبيا، خلال الفترة الممتدة من عام 1945 إلى عام 1951.

 

2- فيلم Bitter Victory (1957م):

 

 

فيلم فرنسي–أميركي يروي مهمة كوماندوز في بنغازي، تم تصويره فعليًا في الصحراء الليبية بمساندة الجيش البريطاني. تدور القصة حول ضابطين حليفين ينفذان مهمة خلف خطوط العدو، مع التركيز على صراعاتهما الشخصية والمعارك النفسية ضمن بيئة ليبية حقيقية.

 

3- فيلم Legend of the Lost (1957م):

 

 

تم تصوير هذا الفيلم في غدامس ولبدة وزليتن، حيث استُخدمت أطلال لبدة الكبرى على وجه الخصوص كمواقع تصوير رئيسية.

يحكي الفيلم قصة مغامرة للبحث عن كنز مفقود في الصحراء الليبية، وشارك في بطولته أسطورة أفلام الغرب الأمريكي الحائز على الأوسكار جون واين، والممثلة الإيطالية اللامعة في ذلك الوقت صوفيا لورين. وقد ركز المخرج روبرت سيودماك على توظيف التضاريس القاسية لتكثيف التوتر النفسي بين الشخصيات، مما أسهم في ترسيخ صورة البحر والرمال الليبية على الشاشة العالمية.

 

4- فيلم Sea of Sand (1958م):

 

 

فيلم بريطاني أُنتج عن معاناة وحدة استطلاع أثناء الحرب العالمية الثانية. صُورت مشاهده فعليًّا في طرابلس والمناطق الصحراوية في الجنوب.

يقدم الفيلم تصويرًا قاسيًا وواقعيًا للحياة في الصحراء، مع التركيز على تحديات العسكريين خلال مهمتهم خلف خطوط العدو قبل معركة العلمين. وقد ترشح الفيلم لجائزة الأكاديمية البريطانية للأفلام (BAFTA) عن فئتي أفضل فيلم وأفضل ممثل، ويُعتبر نموذجًا إنسانيًا في تقديم مشاهد الحرب الصحراوية.

 

5- فيلم Ice Cold in Alex (1958م):

 

 

صُوّر الفيلم في طرابلس وعدة مواقع في الصحراء الليبية. تدور قصته حول طاقم إسعاف بريطاني يحاول العودة إلى الإسكندرية عبر الصحراء خلال الحرب العالمية الثانية، ليقدم بذلك صورة إنسانية واضحة لمعاناة الجنود. وقد حظي الفيلم بمراجعات نقدية عالية، حيث حصل على تقييم بنسبة 96% على موقع النقاد العالمي Rotten Tomatoes.

 

6- فيلم The Message (1976م):

 

 

أخرج المخرج الراحل مصطفى العقاد فيلم الرسالة التاريخي في مواقع متعددة بليبيا، بهدف تجسيد بدايات الدعوة الإسلامية. شارك فيه الممثل العالمي أنتوني كوين ونخبة من الممثلين العرب. وقد عُرض الفيلم عالميًّا وأثبت تأثيره الثقافي، لكنه لم يساهم في تأسيس بنية محلية مستدامة، على الرغم من إبرازه للمواقع الليبية على الشاشة على نحو لافت. كما ترشح الفيلم لجائزة أوسكار عن فئة أفضل موسيقى تصويرية.

 

7- فيلم Lion of the Desert (1979–1981م):

 

 

صُوّر فيلم “أسد الصحراء”، الذي يروي ملحمة عمر المختار ضد الاحتلال الإيطالي، بين شهري مارس وأكتوبر عام 1979 في الجبل الأخضر ومناطق شرق ليبيا، ضمن معسكرات إنتاج ضخمة. شارك في بطولته نخبة من الممثلين العالميين، أبرزهم الحائز على جائزة الأوسكار مرتين أنتوني كوين، وأوليفر ريد، والممثل الأمريكي رود ستايغر. بلغت ميزانية العمل نحو 35 مليون دولار، وهو مبلغ يُعدّ هائلاً في ذلك الوقت. وقد مُنع الفيلم من العرض في إيطاليا حينها، نظراً لتوثيقه الدقيق لجرائم الاحتلال الفاشي بحق الإنسانية، مما يؤكد أن السينما قوة لا يُستهان بها ورسالة عالمية.

 

 

بين الصورة والواقع: أين نحن من السينما؟

 

ما الجدوى من أن تمر هذه الأفلام العالمية بليبيا إن لم تُسهم في بناء صناعة سينمائية محلية حقيقية؟ لقد تحولت بلادنا إلى مجرد خلفية لقصص الآخرين، دون أن نستثمر ذلك في خلق حركة إنتاجية وطنية. لم يُؤسس أرشيف لحفظ هذه التجارب، وباتت كل صورها وذكرياتها محفوظة في أرشيفات أجنبية نلجأ إليها للبحث عن ماضينا في أفلام الآخرين.

على النقيض من ذلك، أثبتت دول عربية كالمغرب والأردن أن وجود مواقع تصوير عالمية يمكن أن يتحول إلى رافعة اقتصادية وثقافية. فقد استثمر المغرب في بنية تحتية لجذب عشرات الإنتاجات السينمائية سنويًّا، مما خلق فرص عمل وعزز مكانته الدولية. وبالمثل، أسس الأردن هيئة للأفلام، واستغل مواقع طبيعية مثل وادي رم لتصبح وجهة لأفلام ضخمة مثل The Martian وStar Wars.

أمّا ليبيا، فعلى الرغم من ثرائها الجمالي والتاريخي، لم تتبنَ رؤية واضحة لتكون صناعة سينمائية مستدامة، وظلت مجرد موقع عابر على شاشة السينما العالمية.

 

الخاتمة:

السينما ليست مجرد شريط ضوئي يُعرض في صالة مظلمة، بل هي ذاكرة شعب ووسيلته ليحكي قصته للعالم.

كل موقع تاريخي لم نره بأعيننا سيسرده الآخرون بطريقتهم، وكل مشهد لم نوثقه سيذوب مع الزمن من وعينا. ليبيا لا تفتقر إلى الجمال أو التاريخ أو القصص التي تستحق أن تُروى، ما ينقصها هو الإيمان بأن صورتها أهم من أن يكتبها الآخرون.

السؤال اليوم ليس عن الماضي، بل عن المستقبل: هل سنبقى خلف العدسات أم سنمسك بها نحن لنحكي روايتنا بأنفسنا؟

الكاتب:محمد بن سعود