رحلة السينما في ليبيا

حُرمت من تجربة السينما في بلادي، كما حُرم جيل كامل من صالة مظلمة وصوت يتسلل إلى أعماقي وشاشة كبيرة. ولم أكتشف متعة التجربة إلا حين سافرت خارج ليبيا.

وهكذا بدأت تتبع تاريخ السينما الليبية؛ لمعرفة أسباب غيابها، وما اعترض طريقها من تحولات ومتغيرات مرّ بها المجتمع الليبي، ولماذا تحولت ليبيا من دولة رائدة سينمائيًّا إلى هذا الحضور الخافت.

أفاد الباحث السينمائي الليبي مادغيس أومادي أن الدخول المبكر للسينما إلى ليبيا لم يكن محض صدفة، بل يعود بصورة أساسية إلى عاملين: الوجود العثماني والانفتاح على العالم الخارجي. هذان العاملان ساهما معًا في تقريب الليبيين من التطورات الفنية والثقافية الحاصلة خارج حدودهم.

سينما توغراف باب البحر - ليبيا

سينما توغراف باب البحر

البدايات الأولى للعرض السينمائي في ليبيا (1908–1947م)

بدأت العروض السينمائية في ليبيا مبكرًا، إذ يعود تاريخ أول دار عرض سينمائي في المدينة القديمة بطرابلس إلى عام 1908م، وكانت تُعرف باسم (توغراف باب البحر)، وقدمت عروضًا صامتة، مستخدمة قوس ماركوس أوريليوس الأثري مدخلًا لها. بعد عامين فقط، وتحديدًا عام 1910م، صُوِّر أول فيلم وثائقي داخل الأراضي الليبية بعنوان (سكان الصحراء الليبية)، ما يشير إلى حضور بصري مبكر للكاميرا في توثيق المكان والبيئة المحلية.

وفي عام 1947م، سجلت السينما الليبية أول حضور محلي في مجال الإنتاج الوثائقي، عن طريق المخرج الليبي فؤاد الكعبازي، الذي أنجز شريطًا وثائقيًّا عن زاوية الشيخ عبد السلام الأسمر بالتعاون مع المخرج الإيطالي إنريكو، وقد لاقى الفيلم اهتمامًا ونقدًا وحصد جوائز عدة في مهرجانات سينمائية داخل إيطاليا.

تشير بعض المصادر إلى أن مدينة طرابلس، قبل الغزو الإيطالي عام 1911م، كانت تضم أكثر من 18 دار عرض سينمائي. أما في عام 1966م فقد بلغ عدد دور العرض في العاصمة 13 دارًا، تِسعٌ منها مخصصة للأجانب، وأربع فقط موجهة للمواطنين الليبيين. وعمومًا، يُقدّر عدد دور العرض في ليبيا في ذلك الوقت بنحو 30 دارًا، ما يظهر نشاطًا ثقافيًّا ملحوظًا في استقبال العروض السينمائية من الخارج.

ازدهار القطاع الخاص وبدايات العصر الذهبي للسينما

يشير الباحث التاريخي الليبي مراد الهوني إلى أن ليبيا شهدت بين منتصف عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته طفرة في انتشار دور العرض السينمائي، قادها -على نحو أساسي- القطاع الخاص الذي هيمن عليه الإيطاليون. من بين أشهر الأسماء في تلك المرحلة، يبرز اسم جوزيبي سالينوس، الذي أسّس مسرح الميراماري واستخدمه في تقديم عروض سينمائية، ثم إن الإيطاليين شغّلوا مسرح البوليتياما والسوبر سينما الحمراء، وفي عام 1932م تأسس مسرح البرنيتشي، الذي تحوّل لاحقًا إلى سينما راقية كانت قبلةً للنخبة في مدينة بنغازي.

أما العصر الذهبي الحقيقي للسينما الليبية، حسب الهوني، فقد بدأ بعد انتهاء الإدارة البريطانية واستقلال البلاد في ديسمبر 1951م. في تلك المرحلة، شهدت ليبيا توسعًا نوعيًّا في عدد دور العرض، وبدأ بعض الليبيين بالدخول إلى قطاع السينما على أنهم مستثمرون، مستفيدين من خبراتهم السابقة في شركات التوزيع والإنتاج.

وقد برزت في تلك المرحلة أسماء محلية كان لها دور ريادي في هذا المجال، من بينهم: سليمان وعوض الزني، ومحمد بشير الفرجاني، ومصطفى بن صريتي، وعلي بن عثمان، والهادي المشيرقي، والشعالي الخراز، وحلمي طاطاناكي، وخليل الجاعوني.

حتى مع الاستقلال، بقيت العروض السينمائية في ليبيا خاضعة للنفوذ الإيطالي، إذ كانت البلاد تضم نحو 30 دار عرض، تعرض ما يقارب من 50 فيلمًا مصريًّا و40 فيلمًا إيطاليًّا و10 أفلام أميركية، وقد كانت بعض دور العرض مخصصة للأجانب فقط، وفرضت السلطات الإيطالية على جميع الدور عرض فيلم إيطاليّ كل يوم أحد.

يصف الهوني هذه المرحلة بأنها من بقايا ما أسماه (الامتيازات الأجنبية)، التي استمرت حتى بعد الاستقلال، ففي عام 1966م، مثلًا، كان في العاصمة طرابلس 13 دار عرض، 9 منها مخصصة للأجانب، مقابل 4 فقط للمواطنين الليبيين.

ورغم تلك التحديات، بدأت السينما تتسلل تدريجيًّا إلى نسيج الحياة الليبية، مع افتتاح قاعات عرض تجارية تقدم أفلامًا عربية وأجنبية، مع غياب الإنتاج المحلي الفعلي.

ملصق فيلم عندما يقسو القدر - ليبيا

ملصق فيلم عندما يقسو القدر

المؤسسة العامة للخيالة: أمل ضائع

مرت السينما الليبية بمرحلتين أساسيتين في مسيرتها، تمثّلت الأولى في إنشاء المؤسسة العامة للخيالة يوم 13 ديسمبر 1973م، وهي الخطوة التي مثّلت بداية المرحلة الثانية من تاريخ السينما في ليبيا، ونقطة تحول نحو صناعة سينمائية احترافية.

جهزت المؤسسة بنية تحتية متقدمة على مستوى التقنيات والمعدات، فأنشأت معملًا حديثًا للصوت، مزودًا بأجهزة تسجيل متطورة، إلى جانب قاعة عرض سينمائي حديثة، وأجهزة مونتاج وتوليف للصوت والصورة، إضافة إلى معدات تصوير وإضاءة بمواصفات عالمية.

وفي السنوات بين أبريل 1974م وأبريل 1979م، أنتج 134  شريطًا تسجيليًّا متنوعًا، إلى جانب بعض أعداد مجلة الخيالة المصورة، كما أُنتجت سبعة أفلام روائية طويلة، بعضها بتمويل مشترك، ونال عدد منها جوائز في مهرجانات دولية.

ومع يونيو 1979م، بدأ العمل على أول فيلم روائي طويل بتمويل ليبي كليّ وبعناصر فنية وطنية، ليصدر في 21 يوليو من نفس العام قرار بإنشاء الشركة العامة للخيالة، لتصبح الجهة الرسمية المشرفة على الإنتاج السينمائي، وتحتكر مهام العروض والتوزيع والاستيراد والتسويق، إضافة إلى ضم جميع دور العرض تحت إدارتها.

كان أول فيلم روائي طويل يُعرض في ليبيا بعنوان (عندما يقسو القدر)، عُرض في دار عرض الزهراء بطرابلس يوم 1 أغسطس 1973م، أخرجه عبد الله الزروق، وأنتجه علي الفلهودي، وشارك في بطولته كل من زهرة مصباح وعمر الشويرف، وتناول قصة حب في ظل ظروف اجتماعية قاسية.

وفي عام 1976م، أُنتج أول فيلم مشترك بتمويل عربي ليبي تحت عنوان (الضوء الأخضر)، أخرجه عبد الله المصباحي.

مع تأميم قطاع السينما وإنشاء الهيئة العامة للسينما؛ تحول الدعم نحو بعض الأفلام الوثائقية والسياسية، وبرزت مشروعات سينمائية كبرى ذات طابع قومي، مثل فيلم (الرسالة) عام 1976م، وفيلم (عمر المختار) عام 1981م، من إخراج مصطفى العقاد. حتى مع أهمية هذه الأعمال الرمزية، فإنها لم تُفضِ إلى خلق صناعة سينمائية محلية مستمرة.

العزلة والركود (1990 ـ 2010م)

بحلول التسعينيات، ومع تصاعد العزلة الدولية التي فُرِضت على ليبيا، دخلت السينما مرحلة ركود شبه كامل. أُغلقت دور عرض كثيرة، وتحوّلت بعضها إلى محال تجارية، واختفت قاعات العرض تدريجيًّا من المشهد الثقافي.

ومع حلول عام 2010م، لم يكن في ليبيا سوى عدد محدود جدًّا من دور العرض، معظمها مملوك للقطاع العام، وتعمل بقدرة تشغيلية محدودة، كما تراجع الإقبال الجماهيري على السينما في ظل انتشار الفضائيات والإنترنت، وتبدّد الحلم الذي بدأته المؤسسة العامة للخيالة قبل عقود.

ويرى المخرج الليبي عبد الله الزروق أن صدور قرار التأميم جعل دور العرض تحت سلطة المؤسسة العامة للسينما، التي منعت استيراد الأفلام من الخارج. تحولت الصالات إلى أدوات خاضعة للمؤسسة التي تتحكم في كل ما يُعرض، بعد أن كانت شركات القطاع الخاص تتنافس على جلب أحدث الأفلام المصرية والسورية والأجنبية، بل وكانت الأفلام تُعرض في ليبيا قبل الدول المنتجة لها، كما حدث مع فيلم (لورانس العرب) الذي عُرض في ليبيا قبل عرضه في أي دولة عربية.  

وأضاف: “تلك الشركات الخاصة كانت بوابة ليبيا إلى السينما العالمية، بجودة صالاتها ودقة تنظيمها والدعاية الجميلة التي كانت ترافق الأفلام. أما بعد التأميم، فقد سقط كل شيء، وتحوّلت دور العرض إلى أماكن مهجورة، تعرض أفلامًا رديئة لا ترقى إلى الحد الأدنى من الطموح الثقافي.”

ملصق فيلم الطريق - ليبيا

ملصق فيلم الطريق

من الحلم إلى الانتكاسة

يروي المخرج عبد الله الزروق جانبًا من التجربة الشخصية والمهنية التي عاشها في بدايات تشكل السينما الليبية، يقول: في بداية عام 1969م، بدأنا العمل على فيلم (رسالة من ليبيا)، وهو فيلم سياحي شارك فيه الفنانون الراحلون: خديجة الجهمي، ومحمد حقيق، وحليمة الخضري، وعمران المدنيني، وعلي عطية. أخرجه المخرج المصري أحمد الطوخي، لكنه للأسف لم يكتمل.

ويتابع عبد الله الزروق: في عام 1973م، أخرجتُ فيلم (عندما يقسو القدر) وأنتجتُه، وهو يُعد أول فيلم روائي طويل في تاريخ السينما الليبية. بعد ذلك كان فيلم (الطريق) من إخراج الفلسطيني يوسف شعبان محمد.

 

دولة سبّاقة، ولكن…

 

نشاط الشركات الخاصة في تلك المرحلة تمثل في:

ـ شركة محسن الطمزيني التي أنتجت فيلمين عن لبدة وصبراتة.

ـ شركة الشرق التي أنتجت فيلمي (أبو ربيع) و(كلمة شرف).

 

أفاد المخرج عبد الله الزروق: “كان هذا الزخم مؤشرًا على أن ليبيا في طريقها لتكون من الدول السباقة في مجال السينما، لا سيما مع ظهور شركات خاصة وزيارات منتجين عرب إلى البلاد. لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن! فمع إنشاء المؤسسة العامة للسينما نهاية عام 1973م، توقفت كل الشركات الخاصة التي كانت تمثل الأمل الحقيقي في تأسيس سينما وطنية. استحوذ القطاع العام على كل شيء، وأصبح الإنتاج محكومًا بفكر رسمي جامد، وضاع الحلم بأن تكون ليبيا منافسًا سينمائيًّا مثل مصر وسوريا ولبنان والجزائر”.

إن قرار تأميم دور العرض عام 1979م بداية الانتكاسة السينمائية.

لقطة من فيلم الشظية - ليبيا

لقطة من فيلم الشظية

محطات مضيئة

يُعدّ فيلم (معزوفة المطر) الذي أُنتج عام 1981م، للمخرج عبد الله الزروق، من أهم الأعمال السينمائية الليبية التي قدمت رؤية عميقة للمجتمع الليبي.

أما فيلم (الشظية) الذي أُنتج عام 1986م، فيتناول قضية الألغام في ليبيا بوصفها مخلفات للحرب العالمية الثانية،

والفيلم مقتبس عن قصة للأديب الليبي إبراهيم الكوني، وأخرجه محمد علي الفرجاني. على الرغم من التحديات المتعلقة بالميزانية وظروف الإنتاج، فإن أهمية القضية التي يعالجها الفيلم ساهمت في حصوله على جوائز وتقدير في مهرجانات عربية وعالمية، ويُعد (الشظية) علامة مضيئة في تاريخ السينما الليبية، ومثالًا لإمكانات السينما الليبية.

أما فيلم (تاقرفت) فهو أحد الأفلام الليبية المهمة التي أنتِجت عام 1981م، وهو فيلم وثائقي يجسد معركة تاقرفت، وهي معركة من معارك الجهاد الليبي حدثت عام 1928م ضد الغزو الإيطالي، وهي من المعارك المهمة مع أنها انتهت بانتصار إيطاليا.

والفيلم من إخراج خالد مصطفى خشيم ومحمود عياد دريزة، وكتب القصة كل من محمد أحمد الزوي وخالد مصطفى خشيم، والسيناريو والحوار من عمل محمود عياد دريزة.

من مبادرات مؤسسة ليبيا للأفلام - خمسة x خمسة

من مبادرات مؤسسة ليبيا للأفلام

مبادرات سينمائية فردية

بعد العام 2011م، شاهدنا تجارب سينمائية مستقلة شبابية عدة؛ لإحياء السينما الليبية الغائبة، عن طريق أفلام وثائقية وروائية طويلة وقصيرة تتناول قضايا الحرب والهوية والذاكرة، لكنها بقيت جهودًا فردية في ظل غياب الدعم المؤسسي. ومع ذلك نُظّم عدد من المهرجانات الخاصة بتلك التجارب المستقلة مثل: مهرجان (مهرجان الفيلم الليبي)، ومهرجان (إيراتو السينمائي لحقوق الإنسان)، ومهرجان (بنغازي للأفلام القصيرة)، ومهرجان (الفيلم المحمول)، ومهرجان (صنع في ليبيا للسينما المحلية)، وتعاني هذه المحاولات الشابة من نقص التمويل وغياب شركات الإنتاج الخاصة، وهذا بدوره يعيق تطور صناعة سينمائية حقيقية.

للأسف، تعرضت العديد من دور العرض السينمائي في ليبيا للتلف أو التحويل لأغراض أخرى (مقرات عسكرية، أو محلات تجارية، أو هُدمت برمتها) نتيجة للظروف التي مرت بها البلاد.

وبعد هدم دار الرشيد عام 2021م، وسينما الرشيد واحدة من أقدم دور السينما في ليبيا منذ العهد الملكي؛ ولذا فهي أثر فني قائم بذاته، غير أنها تعرضت للإهمال قبل البدء في عملية الهدم.  

وآخر سينما كانت تعمل هي سينما (الفيل هاوس)، التي توقفت عن العمل في عام 2012م بسبب الاضطرابات الأمنية المتلاحقة، وآخر فيلم عُرض هو فيلم (إكس لارج) للنجم المصري أحمد حلمي. وفي مدينة بنغازي تعمل حاليًّا (سينما فوكس) بمنتجع النخلة الذهبية، وتعرض أفلامًا عربية حديثة.

الفنون والآداب، بما فيها السينما، لم تكن أولوية الحكومات المتعاقبة، ما أثر سلبًا على دعم هذا القطاع، حتى مع وجود الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون، التي نظّمت (مهرجان ليبيا السينمائي الدولي للأفلام القصيرة)، و(مهرجان السينما الليبية الأوروبية) بطرابلس في عام 2024م.  

هل تعود السينما الليبية إلى الحياة؟

من العروض الصامتة في أوائل القرن العشرين، مرورًا ببدايات القطاع الخاص الذي حاول أن يرسم ملامح هوية سينمائية ليبية، وصولًا إلى تجربة المؤسسة العامة للخيالة، كانت السينما في ليبيا في مرحلة ازدهار وتطور إلى خيبة جيل كامل من العاملين في المجال السينمائي.

في بدايات السينما في ليبيا كان الرهان على الاستمرار وحركة سينمائية واعدة، إلى أن دخلت السياسة العامة للدولة في تأسيس شركات السينما التي مرت بتحولات عدة بين إقامة مؤسسة للخيالة وانتهاء أخرى. وضاع الحلم السينمائي!

لا تزال ليبيا تفتقر إلى بنية سينمائية، فلا دور عرض فاعلة، ولا إنتاجًا محليًّا مستقرًّا، ولا مؤسسات مستقلة تدعم المواهب الشابة. ومع أن التقنيات الحديثة، مثل الإنترنت وصناعة الأفلام المستقلة- فتحت آفاقًا جديدة، فإن غياب البنية التحتية والدعم المؤسسي ما زالا يقفان أمام نهوض هذا الفن.

الكاتب:
خلود الفلاح