المخرج محمد مصلي في حوار له مع مدونة مؤسسة ليبيا للأفلام، أكد أن المخرج الليبي يواجه اليوم صعوبات عدة على مستوى الإنتاج والتصوير في وسط غياب الدعم المالي.

وفي الحوار، تحدث مصلي عن بداياته في عالم الإخراج السينمائي، وأهمية الفيلم الوثائقي في معالجة القضايا الإنسانية والحقوقية، وناقشنا معه مدى إقبال الجمهور الليبي على الأفلام الوثائقية.

وتطرق الحوار أيضًا إلى ما إذا كانت السينما الوثائقية تؤثر في الواقع الليبي، إلى جانب ما يفكر فيه من خطوات جديدة، وكيف يقيّم المشهد السينمائي اليوم.

 

 

 

1- كيف بدأت مسارك السينمائي؟

 

حقيقة، البداية كانت في مجال الإعلام منذ سنة 2008، ثم في عام 2019 تلقيت تدريبًا من أكاديمية “دوتشيه فيله” الألمانية في صناعة الأفلام الوثائقية مدة 10 أشهر، إضافة إلى تدريب على السرد القصصي مع مجلة زينيت، من ثم انطلقت في مجال صناعة الأفلام الوثائقية.

وحاليًّا في رصيدي 4 أفلام وثائقية قصيرة، كانت البداية مع مشروع خطوة التابع لمؤسسة ليبيا للأفلام سنة 2021 بفيلم “حداد تاورغاء”.

وفي سنة 2022 كان الفيلم الوثائقي القصير الثاني “إلى المجلس”، وكان عن دور المرأة في الانتخابات، ونظرة المجتمع للمرأة العاملة في المجال السياسي في ليبيا.

ثم سنة 2023 كان لنا تعاون مع منظمة “جسور”؛ وأنتجنا فيلم “حقوق تائهة”، وهو عمل يتطرق إلى غياب سيادة القانون في ليبيا 

وأخيرًا، سنة 2024 أنتجنا فيلم “بطلة” الذي يتكلم عن حقوق المرأة من ذوي الإعاقة، وحاليًّا توجد مشاريع جديدة بصدد العمل عليها. 

 

 

2- لماذا بدأت إخراج أفلام وثائقية وليست روائية؟

 

منذ بداية عملي في مجال الإعلام والإعداد للبرامج التلفزيونية، كنت أبحث دائمًا عن القصص الإنسانية المؤثرة والمختلفة، وكنت أستمتع بالوقت الذي أقضيه في الحديث مع المشاركين لفهم قصصهم وتفاصيل حكاياتهم؛ وهذا ما جعل برامجي تركّز على الجانب التوثيقي والسرد القصصي في كل مرة.

ثم إني أجد نفسي في الوثائقي أكثر؛ لأنّني أحب أن ألتقي بالناس مباشرة والحديث معهم دون حواجز أو وسطاء. من الأفلام ما يستغرق شهرين أو 3 شهور من الإعداد، وأنا أعمل وأستمتع في هذه المرحلة من التحضير للفيلم، خاصة إذا كان تحدٍ في محاورة شخصية من شخصيات الفيلم، أو لإقناعهم بفكرة التصوير والنشر. مثلًا في حقوق تائهة كانت 4 شخصيات من النساء، وكما تعلمين صعب جدًّا ظهور المرأة في الأفلام وأمام الكاميرا في المجتمع الليبي، لكن لم أستسلم ونجحت في إضافة الشخصية للفيلم، وصورنا عددًا من المشاهد داخل الفضاء الخاص بهؤلاء النساء.

لدي مشاريع لأفلام روائية في المستقبل، لكن حاليًّا التركيز أكثر على الأفلام الوثائقية؛ والسبب الرئيسي يتمثل كذلك في أن الفيلم الوثائقي تعد تكلفة إنتاجه أقل بكثير من الفيلم الروائي.

 

 

 

 

 

 

3- هل واجهت تحديات في أثناء تنفيذ مشاريعك السينمائية؟

 

في أثناء إنجازي أول فيلم وثائقي طويل واجهت صعوبات عدة من ناحية تكلفة الإنتاج الباهظة؛ فإنتاج فيلم وثائقي طويل بمعايير عالمية اتضح أنه “مكلف جدًّا جدًّا”، فمثلًا المشروع الذي نشتغل عليه حاليًّا يتطلب تكلفة إنتاج بنحو 60 ألف دولار، وذلك لأنني في الأفلام القصيرة كنت أعتمد على مجهودي الفردي في التصوير والمونتاج والإعداد، وفريق العمل كان لا يتجاوز 4 عناصر. على عكس الأفلام الطويلة التي يتكون فريق العمل فيها في الأقل من 15 فرد.

 

 

4- هل حصلت سابقًا على دعم مالي من داخل ليبيا؟

 

للأسف الشديد لا! قدمت منحة لفيلم “حقوق تائهة” فقط؛ من أجل توفير رواتب الفنيين العاملين في الفيلم،  وهي لا تعدّ دعمًا بل مجرد مكافأة.

 

 

5- ما أبرز

 

 

 

الصعوبات التي يواجهها صانع الأفلام الليبي في الجانب التمويلي؟

 

منذ نحو 20 سنة، حدثت فجوة حقيقية في المجتمع الليبي، أجيال نشأت دون سينما ودون أفلام، ودون وجود قاعة سينمائية واحدة حتى؛ وهذا ما جعل القطاعين العام والخاص غير مهتمين بتاتًا بالسينما، ونجد أن كل الرعاية والدعم يتجه تلقائيًّا نحو الدراما الرمضانية لتلبية؛ رغبات الجمهور والمتلقي في الوقت الذي يستهلك فيه الإنتاج الفني مرة واحدة في السنة. ثم إن حال الإنتاج الدرامي والقنوات التلفزية وواقعه ليس في رفاهية كبرى عن المشهد السينمائي اليوم.

وفي الحقيقية، وعلى أرض الواقع، صناعة السينما غير موجودة في ليبيا بتاتًا، وكل المحاولات التي نشاهدها اليوم في قطاع السينما هي اجتهادات شخصية، على غرار المخرجين: أسامة رزق، ومهند لأمين، وفرج معيوف، ومؤيد زابطية، ويوسف الجيلابي، وغيرهم… لكنها تبقى جهودًا معزولة وليست صناعة منظمة.

 

 

6- هل يوجد دعم مالي من جهات عربية أو أجنبية للأفلام الليبية؟

 

أنا من جهتي حاولت المشاركة في أكثر من منحة خارج ليبيا، لكن أتلقى الرفض في كل مرة.

في أثناء مشاركتي في مهرجان وهران للفيلم العربي السنة الفارطة، نصحني شخص بضرورة الاستعانة بمنتج أجنبي لأتمكن من الحصول على منح الدعم الأجنبية. تواصلت فعلًا مع منتجين: الأول من أمريكا والثاني من تونس، والاثنين كانت لديهم نفس الإجابة وهي: “أنا غير مستعد أن أقدم على منحة لإنتاج فيلم ليبي والسبب أن ليبيا بلد غير مستقر، لأنه في حالة الحصول على منحة ثم فجأة تحدث مشكلة في ليبيا تتسبب في إيقاف المشروع والتصوير، هنا سأخسر اسمي أمام الصناديق المانحة”.

وكانت نصيحتهم هي توفير دعم مالي من داخل ليبيا، والعمل على إنتاج الفيلم داخليًّا، ثم التقديم على منح تكميلية أو تشجيعية، وليست منحًا إنتاجية كاملة منذ بداية الفيلم في طور الفكرة والسيناريو.

توجد بعض المنح الأجنبية التي يحصل عليها بعضهم، لكنها تعدّ منح دعم صغيرة وتشجيعية، وليست منحًا تمكنك من إنتاج فيلم طويل من بدايته إلى نهايته حسب المعايير العالمية.

 

 

 

 

 

7- ما العوامل الحقيقية التي أدت إلى غياب صناعة السينما في ليبيا في الوقت الراهن؟

نعود إلى السبب التاريخي والحقيقي وهو الفجوة الزمنية التي حدثت منذ آخر عرض سينمائي في ليبيا قبل 20 سنة وبين الوقت الحالي، السبب الذي جعل الناس يبتعدون يومًا بعد يوم عن السينما وعن اهتمامها بالإنتاج السينمائي، إضافة إلى أسباب أخرى عدة، من أبرزها هشاشة البنية التحتية، وغياب مؤسسات إنتاج سينمائي أو صناديق دعم، وغياب قاعات العرض.

وهنا أجرينا تجربة عرض مجموعة من الأفلام الليبية بالتعاون مع المسرح الوطني بمصراتة، وهو فضاء مجهز بشاشة عرض كبيرة وتقنيات جيدة، وبطاقة استيعاب في حدود 360 كرسيًّا. وقد وجّهت دعوات لحضور الأفلام مجانًا، لكن الإقبال في كل مرة لم يتجاوز 100 شخص، وهذا ما يؤكد مدى عدم اهتمام المواطن الليبي بالأفلام والعروض السينمائية. 

على عكس فيلم “حقوق تائهة” أول عرض له كان ممتلئًا، ويعود السبب لوضع لافتة دعائية كبيرة قبل عرض الفيلم بشهر، لكنها كانت مكلفة وعلى حسابنا الشخصي، لكن هذه التجربة تعيدنا إلى ضرورة التفكير بجدية في إعادة تأسيس بنية تحية وأساسية لصناعة السينما في ليبيا، من دور العرض إلى الدعم المالي والإعلامي…



 

8- كيف يمكن للأفلام الوثائقية أن تسهم اليوم في تغيير الواقع الليبي؟

 

المخرج فيدريكو فيليني سألوه: “لماذا تعشق صناعة الأفلام الوثائقية؟” فأجابهم: “لا يوجد ما هو أكثر روعة من الواقع”.

الفن مرآة المجتمع، سواء سينما أو دراما أو حتى الأغاني الشعبية، لا شيءَ أجمل من أن تعبر عن المجتمع عن طريق الفن. في السينما عندما تشتغل على قضية بالصوت والصورة وتنقل قصصًا حقيقية وإنسانية؛ رسالتك تصل إلى الناس أسرع، خاصة عندما تكون الأفلام الوثائقية عن ناس حقيقيين وقضايا واقعية نابعة من المجتمع ومن المشكلات اليومية للمواطن. 

عندما عرضنا فيلم “حقوق تائهة” لم يصدق المشاهدون أن الشخصيات الموجودة في الفيلم شخصيات حقيقية وقصص واقعية من ليبيا وليست تمثيلًا، وأن المشكلات التي طرحها الفيلم موجودة في الواقع الليبي؛ ولهذا السبب تفتح الأفلام الوثائقية باب النقاش الجدي عن قضايا بعض الفئات الهشة، وحقوق بعض الفئات الهشة التي تعيش معنا لكنها لا تُسمع ولا تُرى.

أعتقد أن الفن ميزته تتمثل في تقديم صورة فنية جميلة تجعل المشاهد يستمع بوقته، وفي نفس الوقت تعالج القضايا وتشتغل على مشكلات إنسانية وحقوقية. في فيلم “بطلة” يُسلّط الضوء على بعض من حقوق ذوي الإعاقة في ليبيا وخاصة المرأة، وقد تناول الفيلم قصة الرياضية سعاد التي كانت تسافر لأبعد من 20 كيلومترًا عن مدينتها وقد حُرمت من معاشها الشهري بسبب أنها قد تزوجت، وهذا ما سبب لها مشكلات مادية وعراقيل أمام حلمها الرياضي. وبفضل الفيلم حُلّت مشكلتان ضمن مشكلات عدة عرضها الفيلم، وهي توفير وسيلة نقل للرياضية وإعادة تمتعها بمعاشها الشهري، وهذا هو الإنجاز الكبير والجائزة القيمة لنا نحن صناع الأفلام عندما نُحدِث تغييرًا ونصنع الأمل.

 

 

 

الكاتب:
شيماء التابعي