سنة الإنتاج: 1976
مدة العرض: 178 دقيقة
نوع الفيلم: تاريخي / ديني / سيرة
إخراج: مصطفى العقاد
التقييم: يستحق المشاهدة.
من الصعب الحديث عن السينما ذات البعد الحضاري في العالم العربي والإسلامي دون التوقف مطولًا عند تجرِبة مصطفى العقاد، المخرج الذي تجاوز حدود السوق والهوية المحلية، وسعى إلى تقديم خطاب إنساني عالمي بلغة السينما.
وإذا كان «أسد الصحراء» قد مثّل ذروة التعبير عن المقاومة الوطنية، فإن الرسالة يُعد المشروع الأكثر جرأة في مسيرة العقاد، لما يحمله من ثقل ديني، وحساسية تاريخية، وتحديات فنية وفكرية غير مسبوقة.
لقد حاول العقاد في «الرسالة» أن يقدّم الإسلام بوصفه رسالة إنسانية كونية، لا مجرد سرد تاريخي أو عرض شعائري، مستندًا إلى رؤية سينمائية تحترم قدسية الموضوع دون أن تتنازل عن شروط الفن.
العمل بين القداسة والسينما
يتناول الفيلم بدايات الدعوة الإسلامية منذ نزول الوحي على النبي محمد ﷺ وحتى فتح مكة، دون تجسيد مباشر لشخص النبي، التزامًا بالإجماع الفقهي واحترامًا لحساسية المتلقي المسلم. هذا الخيار الإخراجي، الذي عَدَّهُ بعضهم قيدًا فنيًّا، تحوّل في يد العقاد إلى حلّ جمالي ذكي؛ إذ جعل الكاميرا عين الرسالة، والصوت صدى الدعوة، والحركة تعبيرًا عن المعنى لا الشخص.
اعتمد الفيلم بناءً سرديًّا خطيًّا تقليديًّا، يواكب تطور الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين، دون لجوء إلى تقنيات القطع الزمني أو التفكيك السردي.
هذا الأسلوب منح العمل طابعًا توثيقيًّا رصينًا، لكنه في نفس الوقت أبطأ الإيقاع في بعض المقاطع الحوارية، لا سيما في منتصف الفيلم.
الشخصيات والأداء التمثيلي
برز أنتوني كوين في دور حمزة بن عبد المطلب، مقدّمًا أداءً قويًّا جمع بين الصلابة الجسدية والبعد الإنساني، فكان حمزة رمزًا للشجاعة المقترنة بالإيمان، لا مجرد مقاتل ملحمي. كما قدّم عبد الله غيث أداءً لافتًا في النسخة العربية بدور حمزة، حافظ فيه على هيبة الشخصية وعمقها الروحي.
في المقابل، جاءت بعض الشخصيات الثانوية محدودة التطور الدرامي، إذ طغى البعد الوظيفي على حضورها، خاصة في معسكر قريش، فقد بدت الشخصيات أقرب إلى نماذج رمزية منها إلى ذوات نفسية معقّدة.
وسجّل الممثل الليبي علي أحمد سالم حضورًا مشرّفًا في فيلم الرسالة بتجسيده شخصيةَ بلال بن رباح، إذ قدّم الدور بصدق إنساني عميق أظهر معاناة الشخصية وثباتها على المبدإ، وجاء أداؤه ليؤكد قدرة الفنان الليبي على الاندماج في الأعمال التاريخية الكبرى، والمساهمة في تخليد رموز الإسلام بلغة فنية راقية ومؤثرة.

الرؤية الإخراجية والجانب التقني
يُحسب للعقاد أنه قدّم فيلمًا دينيًّا بمعايير إنتاج عالمية في زمن كانت فيه السينما العربية تفتقر إلى الإمكانات التقنية. صُوّر الفيلم في المغرب وليبيا، واستُعين بآلاف الكومبارس لإعادة بناء البيئة التاريخية، ما منح المشاهد صدقية بصرية واضحة.
على المستوى التقني، كانت الموسيقى التصويرية عنصرًا محوريًّا في البناء الشعوري للفيلم؛ فقد جاءت الألحان مزيجًا من الوقار الروحي والملحمية التاريخية، داعمةً للسرد دون أن تطغى عليه. أمّا حركة الكاميرا فغلب عليها الهدوء والاتزان، بما ينسجم مع طبيعة الموضوع، مع تصاعد محسوب في مشاهد الصدام والصراع.
وقد بلغ التميّز الفني للفيلم مستوًى عالميًّا، وحظيت موسيقاه التصويرية باهتمام نقدي واسع في موسم جوائز الأوسكار، بوصفها من أبرز الأعمال الموسيقية السينمائية في تلك المرحلة.
بين الدقة التاريخية و الرؤية الدعوية
أثار «الرسالة» منذ عرضه الأول جدلًا واسعًا، ليس في دقته التاريخية بقدر ما كان في تمثيله للإسلام في السينما الغربية. وقد حرص العقاد على الالتزام بالمصادر الإسلامية المعتمدة، واستعان بلجان شرعية من الأزهر والمرجعيات الإسلامية لضمان سلامة الطرح.
مع ذلك، لا يخلو الفيلم من تبسيط لبعض التعقيدات التاريخية، وهو تبسيط يمكن فهمه في سياق الرغبة في مخاطبة جمهور عالمي غير متخصص، فالفيلم لا يدّعي الإحاطة الأكاديمية، بقدر ما يسعى إلى تقديم جوهر الرسالة: التوحيد، والعدل، وكرامة الإنسان.

العرض الأول وردود الفعل
عُرض الفيلم في منتصف السبعينيات وسط أجواء متوترة سياسيًّا ودينيًّا، وتعرّض لموجة من المنع والاعتراض في عدد من الدول، سواء بدعوى دينية أو سياسية. ومع ذلك، لقي استقبالًا إيجابيًّا واسعًا في العالم الإسلامي، وعُدّ خطوة غير مسبوقة في تعريف الغرب بالإسلام بواسطة الفن السابع.
قراءة نقدية متوازنة
يمتلك «الرسالة» قيمة فكرية وفنية عالية، لكنه ليس عملًا كاملًا؛ فالإيقاع يعاني من البطء في بعض الفصول، والحوار جاء أحيانًا تقريريًّا مباشرًا، يخدم الفكرة أكثر مما يخدم الدراما. ثم إن التركيز على البعد التعليمي أضعف أحيانًا العمق النفسي لبعض الشخصيات.
غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة الفيلم، بل تضعه في سياقه الطبيعي؛ فهو عمل تأسيسي فتح بابًا لم يُطرق من قبل، ونجح في الجمع بين قدسية الموضوع ومتطلبات الصورة السينمائية.
مع التأكيد على أن أي قراءة فنية للفيلم لا تمس قدسية النص الديني ولا حقيقة السيرة النبوية، وإنما تتناول العمل السينمائي بوصفه وسيطًا بصريًّا.

إرث الفيلم وأهميته
يُعد «الرسالة» اليوم مرجعًا سينمائيًّا لا غنى عنه في تناول التاريخ الإسلامي، وقد تجاوز كونه فيلمًا إلى كونه وثيقة ثقافية تُعرض في المناسبات الدينية وتُدرّس في بعض أقسام الإعلام والسينما. وبعد وفاة مصطفى العقاد عام 2005، عاد الاهتمام بالفيلم بوصفه ذروة مشروعه الفكري والفني.
لقد نجح العقاد في أن يجعل من السينما منبرًا أخلاقيًّا، ومن الكاميرا أداة دعوة ناعمة، ومن «الرسالة» خطابًا إنسانيًّا يخاطب الضمير قبل العين.
ويبقى «الرسالة» عملًا استثنائيًّا في تاريخ السينما؛ لأنه لم يكتفِ بسرد حدث، بل قدّم قيمة، ولم يعرض دينًا بوصفه ماضيًا، بل بوصفه مشروعًا أخلاقيًّا صالحًا لكل زمان.
وإذا كان العقاد قد آمن بأن الكاميرا يمكن أن تكون رسالة، فإن فيلم «الرسالة» أثبت أن السينما الصادقة قادرة على أن تكون جسرًا للتواصل، لا ساحة صراع.