بلد الإنتاج: ليبيا – جنوب إفريقيا – قطر.

سنة الإنتاج: 2021.

مدة العرض: 73 دقيقة.

نوع الفيلم: وثائقي.

سيناريو وإخراج: خالد الشامس.

حاز على جائزة أفضل مخرج في فئة الوثائقي، في جوائز جنوب إفريقيا للسينما والتلفزيون (أوسكار جنوب إفريقيا).

التقييم: يستحق المشاهدة.

 

 

 

 

1

من نوافل الأقوال أن نذكّر القارئ بتنوّع أطياف المعارضة الليبية التي بدأت ضعيفة في 1969، واستقوَت مع تفرّد القذّافي بالسلطة إبّان خطاب زوارة في 1973، فقد تحوّلت الجمهورية الوليدة من مُحرِّرة فقراء إلى سلطوية نفّذت “تعطيل كافّة القوانين المعمول بها” كما نصّت فاتحة الخطاب، لتستمر جمهوريةً بالاسم حتى الكشف عن وجهها الحقيقي بإعلان سلطة شعبها في 1977. هكذا صكّت جماهيرية القذّافي في الثمانينيّات اصطلاح “الكلاب الضالّة”: المعارضون الذين لاحقتهم دولة القذافي الوليدة منذ مطلع السبعينيّات. شمل تعطيل القوانين المذكورة تشكيل الأحزاب، فغدا كل ليبرالي وشيوعي وإخواني “كلبًا ضالًّا” تسجنه المحاكم العسكرية أو يفرّ إلى المنفى. 

 

من هنا ينطلق السينمائي الليبي-البريطاني-الجنوب إفريقي، خالد الشّامس، للتنقيب في تاريخ أبيه، المعارض عاشور الشّامس، الذي التحق بالجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في بداية الثمانينيّات. ويجوز القول إن ذاك المصطلح أُشيعَ بين الليبيين بظهور فرج العشّه على شاشة الجزيرة مع مطلع الألفية. فالعشّه “كلب ضال” هو الآخر وإنما ينهل من توجّهٍ سياسي معارض لتوجّهِ الشامس، والتوجّه المعارض لكليْهما هو النظام الجماهيري الذي وحّد ضلالهما.

 

 

 

 

2

لا يختلف صوت البحر كثيرًا عن أصداء الحرب، أو هكذا تبدو الحال في مخيّلتنا الملتصقة بجبهات القتال منذ اشتعالها في 2011، أو لعل الاستعارة التصقت بالجناس الواقع بين “بحر” و”حرب”. مهما يكن من أمر، يبدأ الشّامس فيلمه بالبحر وأصوات أمواجه من منظور سيارة متحركة، إذ يصاحب صوتَ الأمواج صوتُ طفلٍ مُسجَّل، يذكّر عمّه بالبحر والزمن الجميل. تنتقل حركة الكاميرا على الطريق إلى الاتجاه المعاكس؛ السيارة هنا تنقل جنودًا في جبهة القتال والصوت ليس مصاحبًا وإنما هو عضو في صورة الحرب، ذاك المدّ العسكري لـــ”الثّوّار” إبّان الانتفاضة المسلّحة.

 

هذه فاتحة تقليدية نشاهدها في سرديّات تعتزم التحقيق بين السّلم والحرب، الحد بين الجد واللعب. ولئن نسمع أولًا صوت خبر مقتل القذافي بالإنجليزية ونرى ثانيًا هيلاري كلينتون جذلانةً بالخبر وهي تطالعه في الهاتف، نعي أن الفيلم يعرض موضوعه على العالم وليس على الليبي فقط. أما عن المستوى الثالث للسرد، فيأتي من خالد الشّامس نفسه، معلّقًا أن أباه قد ناضل ضد حكم القذافي إلى حدٍّ فاق الاهتمام بأسرته. 


يبدأ الفيلم رسميًّا برسم عنوان الفيلم: The Colonel’s Stray Dogs (كلاب العقيد الضالّة)، مع مفارقة بصرية تمثّلها وردة (وللزهور حضورٌ بالفيلم، موتيفة بصرية تلازم الحركة على الطريق بين ليبيا وبريطانيا).

 

 

 

 

3

هنا لندن، جنوبها تحديدًا. تتحرك الكاميرا على الطريق أيضًا، تحيلنا إلى فاتحة الفيلم، فتستبدل سلام البحر بالأشجار وهدوء الضواحي الإنجليزية. من هنا يسرد خالد سيرةَ أبيه المقتضبة من منظور سيرته، فأبوه المعارض ابن جبل نَفُوسة، جنوب طرابلس، أما هو فابن كرويدون، جنوب لندن، وكما يذكرنا بمركزية الجبل في المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي في غرب ليبيا، ينوّه إلى نشأته المختلفة تمامًا، مولودًا بمنأى عن كل عنفٍ ليبي، سواء ضد الطليان أو ضد القذافي.

 

ندخل بفضل الكاميرا إلى بيت عاشور الشامس، فنتيقّن أن صوت الطفل في بداية الفيلم منتمٍ إلى مجموعة شرائط كاسيت مسجَّلة في السبعينيّات، أرسلتها عائلة عاشور إليه كما جرت العادة آنذاك. في إحدى جلساته مع ابنه الفضولي، لا يُخفي عاشور تهكّمه على مخابرات الجماهيرية، إذ يكشف عن ملفّه الخاص الذي حصّل عليه بعد انتفاضة 2011. بالملف الذي يصنفه على أنه كلب ضال، نقرأ أنه يدرّس الزّندقة في “مدينة مانشستر يونايتد”، الموجودة في لندن بالمناسبة. إنها حماقة على مستويين.

 

على أن حماقة المخابرات الجماهيرية، التي جهلت تمامًا جغرافيا العالم، أسفرت عن قتل معارضي النظام الذين انتشروا في العالم وتركّز حضورهم في أوروبا، لا سيّما في بريطانيا. فبدأت التصفية مع مطلع الثمانينيّات ليصبح مقتل إيفون فليتشر شرارة الحرب الدبلوماسية مع الغرب، منها إلى تفجير برلين، فالقصف الأميركي المتوقَّع في 1986، وانتهاءً بحادثة لوكيربي في 1988. إنه عقد العنف المُتوَّج بحرب تشاد التي شاركت فيها جبهة الإنقاذ ضد القذافي. يكشف الوثائقي تفاصيل عمليات الجبهة بالأرشيف والمقابلات، وكما نستفهم من وقوف عاشور على تلك الأحداث، ربما كان ذاك العقد نهاية المعارضة الليبية المنظّمة بوصفها بديلًا مرجّحًا.

 

 

 

 

4

غالبًا ما تندرج وثائقيات النضال السياسي –أقلّه في السينما الرائجة– بين الخاص والعام، أي أنها تنطلق من ذات المخرج أو أنها تعرض “موضوعيًّا” موضوعها. ونعلم أيضًا أن عديد النقّاد يعتقدون أن كتابة/عرض السيرة إنما يعبّر عن سيرة ذاتية لصانعها. بين هذا وذاك، نرى الموضوع حيًّا في شخص عاشور الشامس، على الضد ممّن يسبر غور موضوعه الراحل. هنا يخبرنا عاشور بنفسه عن مآلات خياراته فضلًا عن حقائقَ وشهادات، فهو يصرّح بوضوح بانتمائه منذ البداية إلى توجّه سياسي معادٍ للناصرية، أي معارضته “ثورة الفاتح” منذ انطلاقتها، ولا يخفي توجهّه الإسلامي في السياسة أيضًا، مع التشديد على القالب الدستوري-الديمقراطي.

 

على الضفة الأخرى، تنبثق رؤية خالد في التحقيق من وقاحة السينما في الكشف عن خبايا الإنسان، وإن آلى على نفسه الجلوس مع أمه لسؤالها: هل كان أبي إرهابيًّا؟ وسؤاله هذا يُطرَح على الضد من مفهوم الإرهاب لدى الإعلام الغربي الرسمي، الذي رأى مقاتلي الغزو السوفيتي “مجاهدين” شرعيين و freedom fighters (التي لم أجد لها ترجمة رسمية) تارةً، ورآهم إرهابيين تارةً ثانية، فنبع حينها تهافت التعريف بالإرهاب، انتهاءً بـــ”إدانة حماس”. ويشدد خالد لأمه أنه يتساءل فقط عمّا إذا كان أبوه إرهابيًّا أم freedom fighter، فالأخيرة تشجب السؤال لأن الإرهاب يعني قتل الأبرياء.

 

يتخلل هذه الشجاعة في استكشاف الموضوع صوت خالد الذي يتنقّل بين الشعر والنثر، والاثنان لا يضفيان تعليقًا يوضّح رأيه في المسألة الليبية، بل يرصد انعكاسات ذهنية يخلقها في الشمال الأقصى بجوار عائلته الصغيرة البعيدة عن عائلته الكبيرة في الجنوب الأدنى، عن طريقة أبيه في صنع الشاهي وقيلولته “المشخَّرة” في صالة بيتهم الهادئ، في منفىً ثانٍ، بعيدًا عن ليبيا التي نعرفها نحن الليبيون المسجونون فيها.

 

 

الكاتب:
سعد العشّه