مع أن ليبيا كانت من الروّاد في مجال السينما، الذي تعود بداياته إلى عام 1908، لكن السنوات الماضية شهدت تقلبات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية؛ عطّلت مسيرة هذا الفن وأدت إلى غيابه عقودًا طويلة.
في السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ عام 2011، ظهر جيل جديد من صُنّاع الأفلام الشباب، يسعى لإعادة إحياء السينما في بلاد تفتقر إلى بنية متكاملة تشمل: شركات الإنتاج، ومعاهد تعليم السينما والدراما والمسرح، ودور عرض السينما، والمسارح، والمهرجانات المحلية والدولية.
يواصل هؤلاء المبدعون العمل على رغم الصعاب، فهم ينتجون أفلامهم على نفقتهم الخاصة، ويعرضونها في المهرجانات الدولية للأفلام الوثائقية والروائية، محققين الجوائز في كثير من الأحيان.
في هذا التقرير، نسلّط الضوء على بدايات هؤلاء الشباب، وكيف بدأت علاقتهم بالكاميرا؟ وما الصعوبات التي تواجههم؟ وكيف استفادوا من التقنيات الحديثة لتوصيل أعمالهم إلى جمهور أوسع؟
يقول المخرج محمد مصلي “إن التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها ليبيا في السنوات الماضية أحدثت فجوة كبيرة في المشهد الثقافي، وأثرت على نحو واضح على السينما. سنوات طويلة من الانقطاع عن الإنتاج السينمائي أدت إلى غياب ثقافة المشاهدة الجماعية لدى الناس، ومع اختفاء رواد المسرح وإغلاق قاعات العرض؛ انعدم وجود إنتاج سينمائي حقيقي”.
ويتابع: “حين تغيب الصناعة، تغيب معها البيئة التي تتيح ظهور جيل جديد من صُنّاع الأفلام، فكل مجال يحتاج إلى الاستمرارية لخلق حاضنة له، وما دامت لا توجد بنية تحتية أو ثقافة سينمائية ومجتمعية داعمة، فلن تتطور هذه الصناعة؛ لذلك ظل عدد صُنّاع الأفلام محدودًا، ومحاولاتهم في الغالب فردية ومستقلة.
نحن في الحقيقة ننحت في الصخر، ونحاول تأسيس قاعدة جديدة لهذه الصناعة، حتى يتمكن الجيل القادم من البناء عليها. لا نزال في الخطوة الأولى، لكننا نؤمن بأن البداية -مهما كانت متواضعة- ضروريةٌ لاستمرار المسار”.
خطة تسويق الأفلام معقدة
يفيد صاحب فيلم “بطلة” “إلى الآن لم أعرض أيًّا من أعمالي على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنني أعمل ضمن إطار السينما المستقلة، وأسعى لتسويق الأفلام إلى القنوات التلفزيونية، لاسترجاع رأس المال الذي صُنعت به على الأقل، ومن ثم تمكيني من إنتاج عمل جديد.
استخدمتُ مواقع التواصل الاجتماعي في نشر الإعلان الترويجي للفيلم فقط، وفي مشاركة صور من الكواليس، وأخبار تتعلق بمشاركة الأفلام في المهرجانات الإقليمية والدولية، وقد ساعد ذلك -إلى حد ما- في تسليط الضوء على صناعة تحاول أن تعود من جديد، وفي تعريف المجتمع بوجود قضايا تستحق الطرح والنقاش”.
حسب صاحب فيلم “حقوق تائهة”، أهم الصعوبات التي تواجه صناعة سينما جديدة في البلاد هي مسألة التمويل، إضافة إلى غياب جهات الإنتاج المتخصصة، فمعظم الشركات تتجه إلى إنتاج أعمال موسم رمضان أو الإعلانات التجارية، لأنها تضمن مردودًا ماليًّا سريعًا.
ويضيف: “في حالة الأفلام، فخطة التسويق طويلة ومعقدة؛ إذ يشارك الفيلم في المهرجانات مدة عام كامل إذا كان روائيًّا، وقد تمتد عامين إذا كان وثائقيًّا، قبل أن تبدأ عملية تسويقه التجاري. بعض الأفلام الوثائقية تُنتج خصيصًا للقنوات، لكن كل قناة لها سياستها الخاصة في التعاقدات؛ لذلك تبقى مسألة التمويل هي التحدي الأكبر أمامنا، وما نقوم به اليوم هو في معظمه عملٌ مستقلٌ يعتمد على الجهد الشخصي لا على مؤسسات إنتاجية منظمة”.
تجربة شخصية قادتني إلى الكاميرا
انطلق المخرج مالك المغربي في مشروعه نحو صناعة الأفلام الوثائقية من الأعمال التطوعية التي كان يقدمها لنازحي تاورغاء عام 2011، في ذلك المخيم الواقع في طريق المطار في طرابلس. كان قريبًا منهم، شعر بمعاناتهم؛ لذلك بحث عن طريق لإيصال صوتهم إلى خارج المخيم.
المغيربي مستطردًا: “من هناك بدأت فكرة التوثيق بالصورة تتشكل لديّ، ثم أتيحت لي فرصة التدريب العملي على صناعة الأفلام، فعملت على ثمانية أفلام وثائقية ضمن مشروع يهدف إلى تحقيق السلام وإعادة الاستقرار والتعايش السلمي بين المجتمعات. هذه التجربة كانت الانطلاقة الحقيقية لي في هذا المجال”.
وأشار صاحب فيلم “طريق العودة” إلى أنه استفاد كثيرًا من التقنية الحديثة، خصوصًا في أثناء جائحة كورونا عام 2020، حين تحول مهرجان لعرض الأفلام كان يجري الإعداد له إلى الفضاء الافتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا التحول منح القائمين على الفيلم فرصة للوصول إلى جمهور أوسع، والتفاعل مباشرة مع الناس، لا مع المهتمين بالسينما فقط، بل مع المشاهدين العاديين أيضًا.
وأضاف: “كانت أجمل لحظات التجربة هي حين بدأ الجمهور يطرح أسئلة عن كواليس الأفلام ومصير الشخصيات التي تناولناها، لأن هذا التفاعل يُبيّن الأثر الحقيقي لصناعة الفيلم الوثائقي، ويُشعرنا بأن القصة أحدثت فرقًا في المجتمع”.
بيئة محلية طاردة
يقول صاحب فيلم “خطوات” “الصعوبات كثيرة، وأولها غياب الدعم المالي. عملت على نحو مستقل تمامًا، تحمّلت جميع المصاريف من مالي الخاص، وسافرت على نفقتي. لم أتلق أي دعم من الجهات التي درّبتني أو من أي جهة أخرى. أشعر أنني وضعت نفسي “على السكة”، لكنني ما زلت بحاجة إلى من يقف معي ويكمل الطريق”.
ونسأله: هل تجد فرصًا كافية في البيئة المحلية لدعم المواهب الجديدة؟ فيقول: “للأسف، الفرص في مجتمعنا محدودة جدًّا ومحصورة في فئة معينة تمتلك السلطة والمال. النخبة المسيطرة مكتفية بعدد محدد من الأسماء المعروفة، وغالبًا ما تُعامِل أي قادم جديد على أنه منافس يجب “إيقافه” وهذا يجعل العمل صعبًا، خصوصًا لمن يحاول أن يبدأ من الصفر”.
ويضيف: “حاولت التقديم على منح خارج ليبيا بعد إخفاقي في إيجاد دعم محلي، لكن الأمر لم يكن سهلًا أيضًا، إذ لا وجود للثقة في المبدعين الليبيين، وكأن ليبيا ليست ضمن أولويات المؤسسات الدولية الداعمة للأفلام. لا أنكر أني وصلت إلى مراحل متقدمة من حصولي على المنح، لكنّي أُرفض في النهاية بحجة أن بعض القصص أفضل من قصتي. هذا النوع المتكرر من الرفض يجعل المحاولة التالية أصعب نفسيًّا.
أؤمن أن قصتي يجب أن تُروى الآن، لأن تأجيلها يعني أنها ربما لن تُروى لاحقًا؛ وهذا ما يمنحني الدافع للاستمرار حتى مع الصعوبات”.
البيئة الليبية شديدة الصعوبة
يشير المخرج أسامة الفيتوري إلى أنه بعد أكثر من عقد على التغييرات التي عاشتها ليبيا، ما زال المشهد السينمائي والإعلامي يعاني من آثار التحولات السياسية والاجتماعية، فقد أدت سنوات طويلة من الانقطاع إلى غياب ثقافة المشاهدة الجماعية، موضحًا أنه ليس متابعًا لما يقدم من أفلام (روائية أو وثائقية) في ليبيا؛ ولذلك، يصعب عليه الحكم على جودة هذا الإنتاج وتقييمه بموضوعية.
وتابع: “معظم محاولات صناعة الأفلام في ليبيا تميل إلى التركيز على الجوانب التقنية مثل الكاميرات والإضاءة والمكياج، فيما يُهمَل جوهر الفيلم: القصة وكيفية التواصل مع الجمهور”. ويؤكد الفيتوري أن الإعداد الجيد يتطلب وقتًا طويلًا في البحث وجمع المادة، في حين أن التصوير والمونتاج لا يمثلان إلا الجزء الأقصر من العملية.
يصف أسامة الفيتوري بيئة العمل السينمائي والإعلامي في ليبيا بــ”شديدة الصعوبة”، لا سيما للعاملين القادمين من الخارج؛ فغياب تقبل النقد، والانقسام السياسي، والتغيرات الأمنية بين الشرق والغرب، كلها عوامل تجعل العمل الميداني محفوفًا بالمخاطر. إضافة إلى تعقيد الإجراءات البيروقراطية، إذ يحتاج المصورون إلى تصاريح متعددة تشمل المطار والكاميرا ومواقع التصوير، في حين يواجه الصحفيون والمخرجون تحفظًا واسعًا من الناس في تقديم المعلومات أو التحدث أمام الكاميرا، ما يتطلب بناء ثقة وعلاقات قوية قبل البدء بالعمل.
ويلفت أسامة الفيتوري الانتباه إلى أن المشهد الإعلامي بعد العام 2011 شهد انفتاحًا غير مسبوق في حرية التعبير، فقد كُسِرت مرحلة “القناة الواحدة”، وصار ممكنًا إنشاء قنوات وشركات إنتاج مستقلة، بعد أن كان ذلك شبه مستحيل. ومع أن هذا الانفتاح فتح نافذة مهمة للتجارب الجديدة، فإن التراجع الأمني والسياسي اللاحق أضعف استمراريته، وأعاد المشهد إلى حالة من الحذر والتردد.
التقنية أداة تعبير جديدة
يرى صاحب فيلم ” قاذفو الألغام في بنغازي” إن للتقنية دورًا كبيرًا في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي. فمع انتشار الهواتف الذكية باتت إمكانيات التصوير والإنتاج متاحة للجميع، وبكلفة منخفضة.
وأضاف: إن هذا التحول يمثل شكلًا جديدًا من صناعة الأفلام، إذ أتاحت الهواتف للأفراد رواية قصصهم بحرية في أحداث الربيع العربي، فأصبحت أقوى الصور التي تعرض في القنوات العالمية من تصوير مواطنين عاديين. اليوم، يمكن لأي شاب أن يبدأ مسيرته في هذا المجال بمعدات بسيطة وبرامج مونتاج متوفرة على الهاتف نفسه، لكن ما يزال التحدي الأكبر في البيئة الحاضنة، لا في الأدوات.
تحدث صاحب فيلم “هل كان تدخّل حلف الناتو في ليبيا خطأ؟” أن عمله الصحفي اليوم أكثر من الفني، وأنه استفاد من وجوده خارج ليبيا، إذ تُعرض أعماله في منصات عالمية. لكنه يعترف بتخوفه من ممارسة العمل النقدي أو الاستقصائي داخل البلاد، خوفًًا من ردود الفعل السياسية أو الأمنية.
وعي سينمائي جديد
ينتصر المخرج مهند الأمين للكاميرا والصورة فقد كانتا دائمًا جزءًا من الذاكرة العائلية، ويستطرد: “والدي كان مغرمًا بالتصوير الفوتوغرافي والرسم، وتدرب مع فنان الكاريكاتير محمد الزواوي، كما عمل في مجلة الأمل قبل أن يتفرغ لمهنته مهندسًا. في طفولتي، كانت الكاميرا دائمًا حاضرة في البيت، توثّق اللحظات الصغيرة والعائلية، ومعها بدأت أفهم أن الصورة ليست تذكارًا فحسب، بل هي وسيلة لرؤية العالم بطريقة مختلفة”.
ويكمل الأمين: “مع مرور الوقت، تحولت الكاميرا إلى وسيلتي لفهم الواقع وللتعبير عن الأشياء التي لا أستطيع قولها بالكلمات، فهي أداة للبحث وللسؤال ولإعادة بناء الذاكرة الشخصية والجماعية. أما لي فالصورة هي مساحة صادقة بين ما هو واقعي وما هو داخلي، بين ما أراه وما أشعر به”.
ونسأله: هل يمكن عدّ التجارب السينمائية الجديدة بداية لصناعة سينما ليبية أم مجرد محاولات فردية؟ فيقول: “أعتقد أنها بداية صناعة حتى وإن بدت الآن محاولات فردية متفرقة، فكل صناعة تمر بمرحلة كهذه، إذ تُبنى التجارب الأولى من شغف أشخاص يعملون حتى مع غياب البنية التحتية أو الدعم. ما يحدث اليوم في ليبيا هو ولادة بطيئة لكنها حقيقية لوعي سينمائي جديد؛ جيل يحاول أن يروي قصصه بوسائل بسيطة ولكن برؤية صادقة وواعية”.
وأضاف: “البدايات لا يجب أن تكون مثالية أو سريعة، المهم أن تستمر، أن تُخلق العادة، وأن يتحول الحلم إلى ممارسة مستمرة. مع الوقت، هذه المحاولات ستتحول إلى قاعدة، ومنها يمكن أن تتشكل صناعة فعلية”.
السينما ليست ترفًا
يرى صاحب فيلم “دونقا“ أن أكبر تحدٍ يواجه صنّاع الأفلام في ليبيا هو غياب البنية التحتية السينمائية، فلا توجد مؤسسات إنتاج ولا صناديق دعم ولا حتى دور عرض يمكن بواسطتها التواصل مع الجمهور. كل مشروع هو مغامرة مستقلة تعتمد على مجهود شخصي ودعم أصدقاء وشركاء يؤمنون بالفكرة.
وتابع: “الصعوبة لا تقتصر على التمويل فقط، بل تمتد إلى غياب البيئة التي تحترم العمل الفني على أنه مسار مهني وتفهمه. أحيانًا يكون التحدي الأكبر هو إقناع الناس أن السينما ليست ترفًا بل وسيلة للفهم وللتوثيق وللتعبير عن الواقع على نحو أعمق”.
يقول صاحب فيلم “السجين والسجان” بعد عام 2011 فُتحت نافذة جديدة للتعبير، وبدأ كثيرون يرون في السينما أداة لتوثيق وتحليل ما يجري حولهم. لكن في المقابل ظهرت حالة من التوجس الجماعي من الكاميرا نفسها. أصبح وجودها في الشارع يرتبط بالصحافة المؤدلجة أو بمواقع التواصل الاجتماعي، مما خلق نوعًا من الخوف تجاهها وكأنها أداة للمراقبة لا للتعبير.
ويتابع: “هذا التوجس تزامن مع مناخ عام من الرفض للثقافة والفن، ومع ذلك ظهر جيل جديد من المخرجين والمصورين الذين يحاولون تجاوز هذا الخوف وصنع مساحة حرة داخل الفوضى. أظن أن هذه المفارقة بين الانفتاح والخوف، بين الرغبة في التعبير والرهبة منه، هي التي شكلت الوعي السينمائي الجديد في ليبيا، وجعلت السينما لنا ليست فقط فنا بل ضرورة”.
وختامًا، نؤمن أن هذه المحاولات الفردية ما هي إلا خطوة أولى نحو استعادة المشهد السينمائي من غيابه الطويل. الخطوة سيتبعها خطوات ستروي قصصنا كما هي، بكل تحولاتها وخلافاتها وأحلامها الكبيرة.
خلود الفلاح