التقينا صانع الأفلام الليبي مهند الأمين، للحديث عن أفلامه التي عُرضت في مهرجانات كبرى، مثل: مهرجان IDFA الدولي للأفلام الوثائقية في أمستردام، ومهرجان لوكارنو السينمائي، ومهرجان كليرمون فيران الدولي للأفلام القصيرة، إلى جانب مهرجانات عربية من بينها مهرجان أيام قرطاج السينمائية (JCC) ومهرجان البحر الأحمر السينمائي.
الحوار تطرق إلى محاور عدة، من بينها: كيف كانت أول تجربة سينمائية لمهند الأمين؟ وما أبرز التحديات التي تواجه صنّاع الأفلام الليبيين في ظل غياب مصادر التمويل؟ كما تحدث المخرج عن تفاصيل الحصول على منح الدعم من الصناديق العربية والأجنبية، وأهمية الاستعداد الجيد قبل التقديم على هذه المنح.
وتوقف اللقاء أيضًا عند سؤال: هل تؤثر هذه المنح على فكرة الفيلم أو رؤية المخرج، لا سيما وأنها تتبع جهات أجنبية محددة؟
1- تحدثت في حوارات سابقة عن تجربة إنجازك لفيلم قصير حمّلته على منصة فيميو، هل كنت تعتقد أنك ستصبح مخرجًا لولا هذه التجربة؟
قبل إنجاز هذه التجربة لم تخطر في ذهني أبدًا فكرة الإخراج أو احتراف مهنة السينما، ولا أعتقد أنه من دون هذه التجربة كنت سأكون مخرجًا، وذلك لعدة أسباب من أهمها أن بيئتنا المجتمعية والثقافية في ليبيا لا تؤمن بفكرة الإخراج ومهنة السينما ولا تساندها.
كان هذا الفيلم بمثابة دافع لي للبحث عن الجامعات والتكوين الأكاديمي الذي يمكنني من دراسة السينما في طرابلس، فاخترت المعهد العالي لتقنيات الفنون، وبدأت رحلة الدراسة وتطوير مهاراتي في عالم التصوير والإخراج منذ ذلك الوقت.
في السنوات من 2011 إلى 2014م، شهدت البلاد حينها انفتاحًا في مجال السينما بتوفر أنشطة وورشات عمل يقدمها جملة من المختصين من مختلف الدول، تمكنت فيها من تطوير مفاهيمي السينمائية والتعرف أكثر على تقنيات وأساليب الإخراج الإبداعي، كما عملت على إنجاز الأفلام التوعوية التي كانت فرصة لممارسة التصوير وتنفيذ الأفكار وإنتاجها، حتى البدايات الحقيقية في مجال السينما.

2- تلك التجربة كانت الشرارة الأولى التي دفعتك إلى عالم السينما، لو تحدثنا أكثر عن أعمالك السينمائية التي تلت ذلك؟
أنا أعتبر نفسي ما زلت في بداية مشواري. أذكر أن العمل الأول كان محاولة شاركت بها في مسابقة ينظمها مهرجان تروب فيست سنة 2012م، وهو مهرجان أفلام قصيرة يفرض شروطًا عدة لإنجاز الفيلم والمشاركة به، وهي تجربة بسيطة لكنها كانت دافعًا قويًّا لاستمراري، وهذا ما يخلق دعمًا للمخرج لكسب مزيد من الثقة في قدراته.
وفي سنة 2018م أنجزت أول فيلم قصير روائي بعنوان “السجين والسجان”، يروي قصة شخصيّتَين متناقضتين من ليبيا: الأول مسؤول رئيسي في النظام السابق، والثاني هو أحد أبرز شخصيات فترة ما بعد الثورة في ليبيا.
ثم في سنة 2021م أتممت فيلمي الوثائقي الطويل “دونقا”، الذي يروي قصة محارب وسط النزاع في ليبيا اختار الكاميرا سلاحًا له، بعد أن كبر في ظل نظام ديكتاتوري يختزل التاريخ بمجد القذافي، صوّر دونقا كل شيء مغطيًا الحرب والحياة اليومية على مدى عشر سنوات تقريبًا؛ وحاليًّا أعمل على فيلم طويل جديد مستوحى من رواية “نزيف الحجر” للكاتب الليبي الكبير إبراهيم الكوني.
3- في هذا الإطار، هل أثرت الحرب على اختيارك لأفلامك؟
في البداية، اهتمامي بالسينما بدأ من قبل الحرب، لكن واقعنا منذ ذلك الوقت إلى حد الآن غير مستقر، وهذا سبب غير مباشر يجعل المواضيع المتعلقة بالحرب موجودة في أفلامنا. فمن الطبيعي أن الحرب ستكون واحدة من الأفكار التي تعالجها السينما الليبية.
4- في أفلامك تنطلق دائمًا من قضايا سياسية وواقعية من المجتمع الليبي، كيف يمكن للأفلام أن تكون أداة للدفاع عن حقوق الإنسان أو مناقشة قضايا مجتمعية؟
الأفلام يمكن أن تكون أداة تدفع بالمشاهد لفتح النقاش، في مواضيع وأفكار مختلفة تتعلق بقضايا إنسانية وثقافية واجتماعية، بطريقة موضوعية وذكية.
فمثلًا في فيلم “السجين والسجّان” الشخصيتان الرئيسيتان متناقضتان، لهما أيديولوجيات مختلفة، ولأني مخرج لم أنحز لأي طرف ولم أختر من هو الأصح، بل حاولت أن أترك كل شخصية تقدم وجهة نظرها الخاصة، ثم المشاهد هو الذي يقرر.
حسب رأيي، الفيلم الذي يتحول إلى خطاب أيديولوجي يخسر قيمته الفنية، وأرى أن من واجب المخرج أن يحترم ذكاء المشاهد ولا يفرض عليه طريقة تفكير محددة.
5- البنية التحتية السينمائية في ليبيا هشة وتنعدم فيها دور العرض، كيف يمكن هنا للأفلام أن تطرح القضايا وتناقشها؟
سؤال مهمٌّ حقيقةً وصعبٌ، لأن فكرة العمل على صناعة الأفلام والسينما في بلاد لا تتوفر فيها أي قاعة عرض يعد أمرًا غريبًا، فكيف يمكنك أن تصل للجمهور وكيف تجعلهم يشاهدون ما تنتجه!
من جانبي أرى أن الطريق الوحيد الحالي هو أن أحكي وأروي قصص الليبيين أو قصصًا عن ليبيا أو قصصًا مستوحاة من الفلكلور أو الأدب الليبي، حتى يمكن أن نصل بها إلى الليبيين داخل ليبيا وخارجها. والواقع الوحيد المتوفر الآن هو المنصات والإنترنت.
كما نحتاج إلى دور عرض وصناعة سينما ومهرجانات، وهذا يحتاج إلى مساحة عمل وسيادة دولة كبيرة إلى جانب نشاط مؤسسات المجتمع المدني. مثال: السعودية في أقل من سنة أصبحت دولة تنتج سينما داخل السعودية وخارجها على نحو سريع، وهذا ما يؤكد أن الإرادة السياسية هي المفتاح لخلق ثقافة سينمائية في ليبيا.
ولا يقتصر الأمر على الدولة وحدها، فلرجال الأعمال دور أساسي أيضًا في دعم الثقافة وصناعة السينما، خصوصًا عندما تفشل السياسة في توفير هذا الدعم، والتجربة المصرية في بدايات القرن العشرين مثال واضح، فقد لعب المستثمرون ورجال الأعمال دورًا محوريًّا في إنشاء دور العرض وبناء صناعة سينمائية متكاملة، ما جعل مصر لاحقًا مركزًا للسينما العربية، ولكن للأسف -حتى الآن- لم يُظهر رجال الأعمال في ليبيا أي اهتمام حقيقي بالثقافة أو بدعم السينما، باستثناء بعض المحاولات الفردية المحدودة التي لا ترتقي إلى مستوى الحاجة.

6- ما أبرز التحديات التي تواجهكم كصانع أفلام في المشهد السينمائي الليبي؟
العمل داخل ليبيا ليس سهلًا، إذ يواجه صانعو الأفلام تحديات عدة، من بينها الجانب الإنتاجي والداعم الذي يُمكّن من تحويل الأفكار إلى أعمال فنية تصل إلى المشاهد وتحاكي قضاياه بطرق إبداعية، وأعتقد أن التحدي الأكبر اليوم ليس في الحصول على الدعم بقدر ما هو في صعوبة التصوير داخل ليبيا نفسها، لما يتطلبه ذلك من ظروف آمنة وبنية تحتية شبه غائبة.
أما فرص التمويل فهي غير موجودة محليًّا على الإطلاق، إذ لا نملك صندوقًا وطنيًّا للإنتاج السينمائي، والمفارقة أن وزارة الثقافة، رغم كثرة موظفيها، فقيرة تمامًا في إنتاجها، لذا تبقى الخيارات الوحيدة متاحة خارج ليبيا، عبر برامج التطوير وصناديق الدعم والمهرجانات السينمائية؛ وهذا يفرض على المخرج أو المنتج الليبي أن يبحث بجدية ويعرف ما يحتاج إليه بالضبط، وأن يكوّن علاقات مع جهات التمويل المختلفة عبر التواصل المباشر وطرح الأسئلة والاستعداد الجيد قبل التقديم على هذه المنح.
ورغم هذه الصعوبات، فإنها تظل تحديات ضرورية في طريق تحقيق أحلامنا، وصناعة أفلام تعبّر عن قضايا إنسانية حقيقية وتشبهنا نحن الليبيين، لتقدم صورة أصدق عن مجتمعنا الليبي والعربي.
7- كيف تمكنت من الحصول على التمويل لأفلامك، خاصة وأن العديد من المخرجين الليبيين يعتبرون الحصول على هذه المنح أمرًا شبه مستحيل؟
التقديم على هذه المنح يتطلب شغلًا ويحتاج إلى منتج، ونحن نفتقر إلى وجود منتجين، كما أن هذه المنح تطلب جهدًا ووقتًا، إضافة إلى أن واقعنا أصعب من الدول الأخرى التي تمتلك صناديقها الخاصة التي تساعد المخرجين في التقديم على هذه المنح.
أعتقد أن مشاركتي وحضوري في المهرجانات العربية والأجنبية أتاحت لي فرصة التعرف على منتجين، وتوسيع شبكة علاقاتي، والعمل بنصائح خبراء هذا المجال. أذكر في سنة 2013م جمعني لقاء مع منتج على هامش مهرجان سينمائي أجنبي، سألني حينها: “هل يوجد منتجون في بلدك؟”، وكان جوابي بالنفي، فنصحني بقوله: “يجب أن تفتح شركة إنتاج وتنتج أفلامك بنفسك، لأنك لن تجد أحدًا ينتج لك أفلامك فأنت لست في هوليوود”.

8- من تجربتك في الحصول على مصادر تمويل، ما نصائحك للجيل الجديد الباحث عن فرص دعم لمشاريعهم السينمائية؟
في البداية يجب أن تتعلم كيف تقدم على هذه المنح بنفسك، فمخرجون عدة من ليبيا يعتبرون أن طريقة التقديم صعبة وتتطلب وقتًا وصبرًا؛ لكن المعادلة بسيطة جدًّا: إذ لم تبذل جهدًا لن تصنع فيلمًا.
التقديم على هذه المنح ليس صعبًا، خاصةً المنح العربية التي لا تحتاج فيها إلى لغة ثانية، كما يوفرون طرق تواصل سهلة وبسيطة.
ولا ننسى أن المقياس الرئيسي هو فكرة الفيلم، لا السيناريو ولا خبرتك ولا إمكانياتك، بل أول شرط هو فكرة الفيلم التي يجب أن توضحها عند تقديمك لأي منحة، و ثاني أهم جانب هو دوافعك وراء عمل الفيلم وهي عبارة عن صفحة أو صفحتين تسرد فيها عن السبب والدافع الرئيسي وراء اختيارك لهذا الفيلم.
9- هل تؤثر هذه المنح على فكرة الفيلم أو رؤية المخرج، خاصة وأنها تتبع جهات أجنبية محددة؟
بخصوص المنح التابعة للعالم العربي مثل “آفاق” و”المورد الثقافي”، اشتغلت معهم ولم تتدخل أي جهة منهم في فكرة الفيلم أو في طريقة الإخراج أو في طريقة طرح المواضيع، لأنه من البداية إذا اختارت لجنة التقييم الفيلم فسيقدمون له الدعم، وإن لم يعجبهم فسيكون مصيره الرفض.
وهنا أذكر أيضًا أن هذه الصناديق تدعم عددًا كبيرًا جدًّا من الأفلام وليس من اهتماماتها التدخل في كل فيلم، بل على العكس يسعون وراء نجاح كل فيلم ودعمه، دون أن ننسى أن هذه المؤسسات هي مؤسسات مستقلة عن الدولة.
وبصورة عامة أعتقد أن الجهات الأجنبية كذلك تكون حاسمة من البداية، إما باختيار الفيلم وإما برفضه، ثم بعد ذلك لا تتدخل في محتوى الفيلم وتترك الحرية الكاملة للمخرج.
شيماء التابعي