لم تكن الكتابة عن بدايات دخول السينما إلى ليبيا رحلة سهلة، فقد وجدت نفسي أتنقل بين المراجع القليلة، وأصطدم بتواريخ متباينة وروايات متضاربة. كنت أشعر أحيانًا أنني ألاحق خيطًا رفيعًا في متاهة من النسيان، لكن شغف الاكتشاف ومغامرة البحث نفسها كانا دافعًا لأواصل الكتابة.
الدولة العثمانية والغزو الإيطالي
وصل الفنّ السينمائي إلى ليبيا في أواخر الحكم العثماني الثاني، أي قبيل الغزو الإيطالي عام 1911، من خلال عروض سينمائية صامتة أُقيمت داخل قوس “ماركوس أوريليوس” المطلّ على البحر، والذي استُخدم في البداية كدار عرض عُرفت باسم “فوتوغراف باب البحر”. وقد تمكّن من مشاهدة هذه العروض أبناءُ الجاليات الإيطالية واليونانية، والتجّار اليهود، إضافة إلى قلّة من الليبيين.
أمّا المدن الصغيرة والنائية، فلم تعرف السينما طريقها إليها بسبب غياب الجاليات الأجنبية والنشاطات الثقافية، وانشغال الليبيين آنذاك بالجهاد ومقاومة الغزو الإيطالي، فضلاً عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
ومع أنّ روما كانت تُطلق على ليبيا اسم “شاطئها الرابع”، فإنّها خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة، غير قادرة على دفع عجلة التنمية في مستعمرتها. ومع مطلع الثلاثينيات ظهرت محاولات محدودة للاهتمام بالجالية الإيطالية المقيمة، تمثّلت في التوسّع العمراني بمدينتَي طرابلس وبنغازي، وبناء الإدارات والمدارس والمحال التجارية، إضافة إلى إنشاء دور عرض سينمائي خاصة بالجالية.
مع بداية القرن العشرين، ومع بعض الانفتاح بعد ثورة الشباب والترقي سنة 1908، سُمح بحرية التعبير؛ فظهرت الصحف والدوريات في ولاية طرابلس الغرب، وانتعشت الحياة الفكرية والثقافية إلى حد ما حتى بداية الغزو الإيطالي الذي أنهى الحِقبة العثمانية الثانية (1831-1911). تميزت السنوات الأخيرة من الحكم العثماني بالاهتمام بالثقافة والأدب، وشهدت إنشاء مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية لإثراء الحياة التربوية والفنية والحرفية.
يشير المخرج الليبي محمد الفرجاني في كتابه “قصة الخيالة العربية الليبية 1919-1990” إلى أن أول دار عرض سينمائي في طرابلس تعود إلى ما قبل عام 1911، أي في العهد العثماني الثاني. وقد عُرفت هذه الدار باسم “سينما توغراف باب البحر”، وكان مدخلها من قوس ماركوس أوريليوس الشهير، لكن الإيطاليين أقدموا لاحقًا على هدمها مع عدد من المنازل المجاورة؛ حتى لا تحجب معالم القوس الروماني التاريخي. ومع دخول الاستيطان الإيطالي إلى ليبيا؛ توسع الاهتمام ببناء دور العرض، فشُيّدت العديد منها في طرابلس وبنغازي.
في البداية، كانت العروض تقتصر على خيال الظل في قاعات بسيطة، قبل أن تتطور هذه القاعات لتصبح دور عرض رئيسية للأفلام الصامتة و”الجرائد المصورة”، من بين هذه الدور: الميراماري بساحة الشهداء، والهمبرا والبرنتيشي في بنغازي، إضافة إلى الرشيد، والغزالة، والرويال، والنصر، والقابي.
مع مرور الوقت، تحديدًا في الخمسينيات والستينيات، ظهرت دور عرض أحدث وأوسع، مثل سينما الغرياني في طرابلس وسينما الخمس القديمة بمدينة الخمس، أضافت بعدًا جديدًا لتجربة مشاهدة الأفلام خارج المدن الكبرى، لتؤكد انتشار ثقافة السينما في ليبيا.

سينما برنيتشي في بنغازي تأسست عام 1928، وتم هدمها عام 2023.
من الفرجة الشعبية إلى المسرح
قبل وصول المسرح الحديث إلى ليبيا، كان الجمهور يأنس بأشكال فرجوية تقليدية، أبرزها عروض الكاراكوز أو “مسرح الظل”، الذي جلبه الأتراك إلى البلاد في منتصف القرن التاسع عشر، ليصبح مع مرور الوقت جزءًا من المشهد الاحتفالي، خصوصًا في رمضان والأعياد الدينية. وقد ازدهرت هذه الألعاب حتى مطلع الخمسينيات، ومن أبرز عارضي هذا الفن في طرابلس حمزة محمد الوسطي، وفي بنغازي سالم المكحل وبازاما. استمرت هذه العروض زمنًا إلى أن هجرها أصحابها، ثم إن دخول وسائط فنية جديدة مثل الراديو وانتشار العروض المسرحية في كل من طرابلس وبنغازي كان له أثر سيئ على عروض الكاراكوز.
وأفاد الباحث عبد السلام المدني، في دراسته “من العروض المسرحية إلى ظهور سينما وطنية”، أن المحاولات الأولى في المجال السينمائي كانت أقرب إلى أفلام الهواة منها إلى الحرفية، وكان التفكير الذي يهيمن على محبي السينما في ذلك الوقت هو محاكاة السينما العربية، خصوصًا السينما المصرية التي استحوذت -بأفلامها ذات المواضيع المتنوعة الدرامية منها والتاريخية والدينية- على اهتمام المشاهد الليبي.
وتابع: السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يساهم بعض الرواد ولو بصورة بسيطة في تطوير الفن السينمائي؟ إذا علمنا أن أحد هؤلاء المخضرمين هو الفنان الراحل فؤاد الكعبازي، الذي عمل في مجال السينما عندما كان يدرس في إيطاليا، وصمّم ديكور الفيلم الإيطالي “الخيمة السوداء” بطولة صوفيا لورين، ويعدّ ذلك مبادرة جريئة ومبكرة.
إن بعض المغامرين من الشباب، الذين أسسوا عام 1968 “اتحاد الهواة العربي الليبي السينمائي،” وأنجزوا بعض الأعمال التسجيلية من مقاس 8 مم، كان يمكن لهم أن يكرروا المحاولة، لكن سياسة المؤسسة العامة للخيالة فيما بعد، ومشكلة إنتاج الأعمال الروائية وتمويلها؛ كانت هي العائق الأساسي لأي إنتاج. إذا علمنا أن المؤسسة لم يكن لها دعم مالي سنوي لإنتاج أفلام روائية قصيرة أو متوسطة الطول، فالأفلام الوثائقية التي كانت تنتجها الشركة تموّلُ بعد تنفيذها، أي إن المؤسسة كانت تقوم بدور المنتج المنفذ.

لقطة من فيلم الخيمة السوداء (1961) من بطولة صوفيا لورين.
بدايات المحاولات السينمائية
مع نهاية الستينيات برزت أولى المحاولات السينمائية في ليبيا، وكانت مجرد تجارب للتعرف على هذا الفن ومحاولة محاكاة الدول المنتجة له، وقد صُنّفت على أنها امتداد طبيعي لتجارب المسرح، لكنها حملت في نفس الوقت فضولًا ورغبة في استكشاف وسيلة جديدة للتعبير الفني.
في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي أثناء دراسته في إيطاليا، سنحت للفنان فؤاد الكعبازي فرصة نادرة لمعايشة أجواء الإنتاج السينمائي عن قرب. هذه التجربة فتحت أمامه لاحقًا مجال التعاون مع عدد من المخرجين الإيطاليين في نهاية الأربعينيات، فشارك في إنتاج بعض الأعمال التسجيلية، منها فيلم عن الزوايا في ليبيا. لاقت هذه التجربة قد نجاحًا، إذ تبعها إنتاج مجموعة أخرى من الأفلام التسجيلية في ليبيا، تولّت تنفيذها شركات إنتاج إيطالية.
على المستوى المحلي، شهدت السنوات الممتدة ما بين 1963 و1970 بداية محاولات منظمة في مجال الإنتاج السينمائي، مع إنتاج مجموعة من الأفلام الوثائقية وأعداد من “الجريدة المصورة”، وذلك بعد استحداث قسم الإنتاج السينمائي بوزارة الإعلام في أعقاب الاستقلال.
الفيلم الروائي الطويل
مع مطلع السبعينيات، انتقل الحراك السينمائي الليبي من حدود الأفلام التسجيلية والوثائقية إلى تجارب أوسع في مجال الفيلم الروائي. كانت تلك المرحلة اختبارًا لقدرة السينما المحلية على خوض تجربة السرد الدرامي الطويل، في ظل إمكانات فنية وتقنية محدودة.
ويُسجَّل لفيلم “المغامرة” (1971) للمخرج الطاهر عمر أنه من أوائل المحاولات الروائية في ليبيا، وقد كان خطوة جادة لطرق أبواب السينما الروائية، مع ما واجهه من صعوبات تتعلق بالتمويل والإنتاج. وقد تلت هذه التجربة محاولات أخرى في السبعينيات والثمانينيات، سعت إلى تكريس حضور السينما الليبية على الشاشة، لكنها بقيت في إطار التجريب ولم ترتقِ إلى مستوى الصناعة المتكاملة.
ومع ذلك، أسهمت هذه المرحلة في كشف طاقات شابة شغوفة بالفن السابع، سواء في الإخراج أو التمثيل أو التصوير، كما أبرزت الحاجة الملحّة إلى مؤسسات إنتاجية وبنية تحتية سينمائية لم تكن متوفرة آنذاك. وبرغم كل العراقيل، تركت تلك المحاولات بصمتها، لتبقى شاهدة على بدايات السرد البصري الليبي، وعلى إصرار المبدعين على ملامسة الفضاء الروائي الطويل.

لقطة من فيلم الضوء الأخضر (1976) من بطولة الطاهر القبائلي.
البدايات المحلية للإنتاج السينمائي
بعد الاستقلال في الخمسينيات، أنشأت وزارة الإعلام قسم التصوير السينمائي لإنتاج الجريدة المصورة، وكان الهدف توثيق النشاطات الثقافية والسياسية والاجتماعية. لم تتعد المحاولات الإنتاجية نطاق الجريدة إلا في الستينيات، عندما بدأ بعض الهواة والمغامرون بإنتاج أفلام قصيرة، مثل المخرج محمد الفرجاني الذي درس السينما في مصر، وعمل على إنتاج أول فيلم روائي عام 1967 لكنه لم يكتمل.
ظهرت محاولات أخرى من الشركة العربية الليبية للإنتاج السينمائي، التي أنتجت فيلم “عندما يقسو القدر”، وأنتجت كذلك فيلمًا روائيًّا طويلًا بعنوان “الطريق”، تناول معاناة ربط المدن النائية بالطرق المعبدة لتسهيل تنقل المواطنين.
وبحسب الباحث عبد السلام المدني، المؤسسة العامة للخيالة، التي بدأت بإنتاج الأعمال الروائية في السبعينيات من القرن الماضي، استعانت بعناصر غير محلية (أجنبية وعربية) في مجالات التصوير والإخراج.
مثلًا، بين الأعوام 1975 و1976 و1977، أنتجت المؤسسة فيلمًا ليبيًّ/تونسيًّ/فرنسيًّا بعنوان “السفراء”، وهو فيلم روائي طويل يتناول معاناة العمال المهاجرين في فرنسا، من إخراج ناصر القطاري، ويُعدّ هذا الفيلم من الأعمال المهمة التي أنتجتها المؤسسة. أما في الجانب الميلودرامي الغنائي فقدم المخرج المغربي علي المصباحي أفلامًا عدة، منها “الضوء الأخضر”، و”أين يخبئون الشمس؟”.
تاريخ السينما والفنون في ليبيا يبرز التحديات الكبيرة التي واجهت النشأة المحلية للفن السابع، من الاحتلال والسياسة إلى ضعف البنية التحتية والثقافة السينمائية. ومع ذلك، كانت هذه التجارب الأولى، سواء في المسرح أو السينما أو الفنون الشعبية، قاعدة مهمة لفهم تطور المشهد الثقافي الليبي.
خلود الفلاح