في لقاء خاص مع المخرج الليبي فرج معيوف، نستعرض بداياته السينمائية، ورؤيته للسينما في ليبيا، والتحديات التي واجهها في طريقه نحو صناعة أفلام محلية قادرة على المنافسة دوليًّا.
1- بدايةً، أود أن أهنئك على مسيرتك. رأينا بعضًا من أعمالك الأولى، لكن يهمنا أن نعرف: ما أولى تجاربك السينمائية؟
شكرًا لكِ، أول تجربة حقيقية لي كانت عام 2011، بفيلم وثائقي بعنوان «ثورة طفل». هدَف الفيلم إلى تسليط الضوء على دور الأطفال الليبيين في الثورة، وكيف تفاعلوا مع الحدث ببراءة ونضج في آن واحد. بعد ذلك، تحولت إلى العالم الروائي بفيلم قصير بعنوان «ذكريات الماضي»، الذي مثل أول مشاركة ليبية في مهرجان الإسكندرية لدول البحر المتوسط عام 2012، ثم أخرجت «الأمل المفقود»، وهو فيلم يتناول قضية الأطفال المصابين بفيروس الإيدز في عهد القذافي، وقد حصل على جائزة في مهرجان الفيلم الليبي في طرابلس، وفي مرحلة لاحقة، أنجزت فيلمًا بعنوان «205» يحكي قصة طلاب جُنّدوا من مدارسهم للقتال في أوقات الحرب الليبية التشادية في الثمانينيات. وآخرها حتى الآن هو فيلمي القصير «أثر».
2- بدايتك مع الوثائقيات تُظهر شجاعة في تناول قضايا حساسة. هل كان اختيارك لهذه المواضيع مدفوعًا بمنهج ما، أم أن الواقع الليبي ألهمك؟
الواقع كان دومًا هو مصدر إلهامي. السينما عندي ليست ترفًا، بل هي مرآة للشعوب. القضايا التي عشناها في ليبيا (الأطفال، والمرض، والصراعات)، رأيت فيها قصصًا تستحق أن تُروى على الشاشة. لم يكن من منبر لمخاطبة هذه الجراح إلا السينما، لذا سعيت إلى تحويل معاناتنا إلى سرد بصري يوقظ الضمير.
3- تحدثتَ عن فيلم «أثر» الذي مُنحتَ عنه جائزة أفضل موسيقى تصويرية، والفريق كله ليبي. ما دلالة ذلك على إمكانات الصناعة السينمائية في ليبيا؟
الموسيقى من تصميم مهندس الصوت الليبي سامي الشيخي رحمه الله، الذي كان له دور محوريّ في العمل. لكن الأهم أننا كنّا فريقًا ليبيًّا تمامًا من التصوير إلى الإنتاج والمونتاج.
الفيلم لم يكتف بالمشاركة محليًّا، بل شارك دوليًّا في قرابة 45 فاعلية، وعرض في مهرجانات عدة منها مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، وحصل الفيلم على جائزة الموسيقى بمهرجان ليبيا الدولي في طرابلس، ثم إنه حاز على جائزة الترتيب الثاني في مهرجان واسط بالعراق، كذلك حصل على تنويه في المهرجان المصري والأمريكي وكذلك مهرجان نواكشوط، وفاز بالترتيب الثاني في مهرجان بنغازي السينمائي، وشارك في مهرجان الأقصر للفيلم الإفريقي ومهرجان البحرين الدولي.
هذه التجربة تؤكد أن الكوادر الليبية قادرة، لكنها تحتاج إلى دعم مؤسسي، مثل: معاهد تدريبية، وصناديق تمويل، ودور عرض محلية؛ حتى نمنح صناعة السينما الليبية استمرارية حقيقية.

4- كيف ترى دور الدولة والمؤسسات في دعم صناعة السينما الليبية؟
أعتقد أن الدولة يجب أن تدرك أن السينما هي جزء من البناء الثقافي للمجتمع. يجب إنشاء معاهد سينمائية، وتوفير منح للمواهب الجديدة، وفتح قاعات عرض.
من دون دعم مؤسسي، يبقى الشغف وحده غير كاف. نعمل حاليًّا بمجهودات ذاتية أو بدعم ضئيل، وهذا يحد من إمكاناتنا. من جهة أخرى، غياب دور العرض يمنع الجمهور الليبي من التفاعل مع الإنتاج المحلي. إذا وُجدت إستراتيجية واضحة وثابتة على مدى سنوات، يمكن أن نشهد نهضة حقيقية في السينما الليبية.
5- كثيرون يرون في فيلم «205» أحد أعظم تحدياتك. ما الصعوبات التي واجهتك في أثناء إنتاجه؟
«205» كان مشروعًا ضخمًا من الناحية اللوجستية: موقع تصوير بتفاصيل تاريخية، ملابس، ديكور، كل ذلك يتطلب ميزانية عالية. اعتمدنا على موارد شخصية وتدريب فريق شاب محدود الخبرة.
كذلك كان التحدي في إيصال رسالتي للناس؛ لأن القصة إنسانية أكثر مما هي سياسية.
لكن في النهاية، نجحنا في تقديم الفيلم، وأعتقد أنه مثال على ما يمكن أن نقدمه حتى ضمن الظروف الصعبة.
6- العام الماضي شهدنا إطلاق مهرجان ليبيا السينمائي للأفلام القصيرة، لكن للأسف لم يتكرر هذا العام. ما رأيك في ذلك؟
المؤسف أن ذلك حصل. المهرجانات تحتاج إلى استمرارية، فهي ليست دورة واحدة فقط.
دون خطة واضحة لسنوات عدة، لا نستطيع بناء منصة دائمة لصناع الأفلام الشباب. للاستمرارية دور كبير في تشجيع الإنتاج، وإعطاء الأمل. أعتقد أننا بحاجة إلى إستراتيجية وطنية تدعم المهرجانات كي تصبح رافدًا دائمًا للسينما الليبية.
7- نرى اليوم جيلًا جديدًا من صناع الأفلام الليبيين يغزو المهرجانات العربية والدولية. هل من ترابط بينكم؟
نعم، بين الجيل الشاب من السينمائيين تلاقٍ حقيقي. اجتمعنا في مهرجانات مختلفة، وفي مناسبات سينمائية عدة. ما يجمعنا هو الشغف بالسينما والرغبة في بناء صناعة قوية في ليبيا.

8- غالبًا ما تُطرح إشكاليات مثل غياب التمويل ودور العرض، لكن نادرًا ما نسأل عن الحلول. كيف يمكن للمجتمع المدني أو المثقفين المشاركة في معالجة هذا الواقع؟
المجتمع المدني يمكن أن يساهم، لكنه لا يستطيع وحده بناء صناعة كاملة. الدعم الحقيقي يجب أن يأتي من الدولة عن طريق إستراتيجية واضحة وصناديق دعم.
بمزج الجهود: مؤسسات وطنية، وتمويل، ودور عرض، وتكوين شاب؛ يمكننا أن نبني صناعة سينما مستقلة ومستدامة. وكذلك، يجب توفير منح للمبدعين، وتنظيم مهرجانات محلية ومهرجانات صغيرة تبقى نشطة وتعيد ضخ الحيوية إلى المشهد السينمائي.
9- سمعنا حديثًا عن أنك تحضّر لمسلسل درامي جديد، وكذلك أفلام جديدة. ماذا يحمل لنا المستقبل من أعمالك؟
نعم، لديّ الآن ثلاثة مشاريع سينمائية قيد الانتظار، وأعمل حاليًّا على البدء بتصوير فيلم طال تأجيله بسبب التمويل، كما يوجد أيضًا مشروع لفيلم طويل كتب منذ بعض الوقت، لكنه لا يزال محجوزًا على الورق بسبب صعوبة تأمين الإنتاج.
لكني متفائل: إذا وجد الدعم فأنا أؤمن أن هذه التجارب ستكتسب حياة على الشاشة قريبًا.
10- بعض المخرجين ينتقلون بين الدراما والسينما. هل هذا خيارك؟ أم أن الظروف هي التي تفرض هذا التنقل؟
التنقل بين الدراما والسينما كان سببه غالبًا الواقع الإنتاجي. الدراما أحيانًا تكون أسهل من الناحية المادية والتواصل مع الجمهور المحلي، أما السينما فهي تتطلب مواردَ أكبر وجهدًا أعمق.
لكني أرى في كلا النوعين فرصة: الدراما للاقتراب من الجمهور الليبي، والسينما لإيصال رسائل أعمق وتوثيق واقعنا.
11- أود في الختام أن أشكرك على هذا الحوار الصريح والشفاف. هل لديك كلمة أخيرة تود إضافتها؟
أشكركِ على هذه الفرصة. أود أن أشيد بجهود مؤسسة ليبيا للأفلام في إتاحة فضاءات للحوار والإنتاج السينمائي. لدينا اليوم مخرجون موهوبون وتجارب جديرة بالاهتمام على الصعيدين المحلي والدولي، وهذا يمنحني الأمل بأن السينما الليبية يمكنها أن تكون صوتًا حقيقيًّا لقضايانا.
آمل أن تواصل الجهات ذات العلاقة دعم هذه المواهب، وأن ينظر العالم إلى السينما الليبية، لا على أنها مشارك تكميلي في المهرجانات، بل بوصفها ضيفًا أساسيًّا يقدم روايات عميقة وصادقة.
شيماء التابعي