1

فيما بات عُشّاق الكرة يترقّبون مونديال قطر في شتاء 2022، جاب في ذهني همٌّ قديم جديد: كيف السبيل إلى مشاهدة الأفلام الليبية الروائية الطويلة؟ كنتُ قد شاهدتُ على يوتيوب “معركة تاقرفت” و”الشظية” بعد انتفاضة فبراير بقليل. أين بقية الأفلام الخمسة/الستة/السبعة التي نسمع عنها؟ لم أتوقّع أن أشاهد أفلامًا عظيمة، بعد تحمّل وطأة الفيلميْن، ولكن الرغبة لم تنبثق من استكشاف كنزٍ، بل من رغبة تشابه من يلاحق جوربًا ضائعًا، لمجرد أن يعرف كيف ضاع.

شاء هذا الهمُّ أن يجوب ذهني مع اقتراب المونديال، على أن المصادفة ليست اعتباطية بالكامل، فإدماني على السينما جاء على حساب إدماني على الكرة، الذي انتهى مع أواخر مراهقتي التي بدأت تكتشف أفلام الكرة الأرضية من جورج ميلييس إلى سينمائيّي الراهن الكُثْر. وبطبائع الأحوال نستثني بعض الدول من أفلام الكرة الأرضية، لا سيما الدولة التي تعنينا هنا.

هاتفتُ صديقي وأخي في السينما، عبد المجيد الجربي، في شأن تصوير وثائقي قصير ينحو إلى التحقيق هزليًّا عن مصير الأفلام الغائبة/الضائعة/التائهة، وفي البال عنوان الفيلم: “البحث عن الستة”، (كنتُ قد استخدمتُ في الوثائقي تعبير “فيلم ضائع” بدلًا من “فيلم مفقود”، والأخير هو الاصطلاح المعروف عن الأفلام التي اختفت عن وعينا السينمائي عالميًّا). لم يكن الرقم مهمًّا، فما الفرق بين الخمسة والثمانية حين يتعلق الأمر بمجموع أفلام روائية طويلة لدولةٍ في قرنٍ كاملٍ!

كان في جعبة عبد المجيد آلة تصوير جيدة وسيارة؛ والأهم من ذلك، كان في جعبته الرغبة في المضي في التجربة. طِرتُ من مدينتي البيضاء إلى “عروس البحر المتوسط” التي فقدت السينما عقودًا (لمن لا يعلم، تحمل الإسكندرية ذات اللقب، ولم تفقد سينماها). وبدأت الخطة دون “تطوير” أو طلب منحة أو حتى تقديم طلب ترخيص بالتصوير (سنعود إلى هذا لاحقًا). كنتُ قد تيقّنتُ منذ سنوات أنّي لن أقدر أبدًا على صنع أفلامي الروائية، فبات الرأي صنعَ وثائقي عن السبب.

ما زلتُ غير راضٍ عن الفيلم، وكاره له في بعض الأحيان، للأسباب المعروفة: شح المواد وقصور مرحلة المونتاج، ومرّدها جميعًا إلى فقر الإنتاج. على أن الفيلم عُرِضَ في مهرجانات دون منتج وموزع ومسوّق، في مهرجان الإسماعيلية للأفلام الوثائقية مثلًا، ونال جائزة “التنويه” في مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي، إذ ذُكِر عن المخرج “فرادة أسلوبه”: عبارة ساعدتني في التهكّم على نفسي.

 

 

2

تخرجتُ وعبد المجيد في كلية الفنون والإعلام بجامعة طرابلس، قسم الفنون المرئية. من هنا لم يغب عن البال اللقاء مع بعض الأساتذة في الكلية. وضعنا في قائمة الاتصال الأستاذ محمد المسماري والدكتور نور الدين الورفلي. الأستاذ محمد سينمائي حدّثنا عن أفلامه فضلًا عن تجارب زملائه السينمائيين، ودردشنا مع الدكتور نور الدين عن سينما الفاشست في ليبيا (أبرزها فيلم “الفرقة البيضاء” (وسينما مصطفى العقاد نصف-الليبية. 

جلسنا مع أحمد بلال أيضًا، أول مهندس صوت سينمائي في ليبيا، مبتدئًا في 1968 حتى تقاعده في بداية الألفية. افتتحتُ الفيلم باللقاء معه بأسلوب الأفلام الصامتة لإضفاء مفارقة تحضن الصوت والصورة. كنتُ قد قررتُ مسبقًا أن أصوّر اللقاء معه في “أستوديو الصوت” في حي دمشق بذات الأسلوب ، لكن الأستوديو كان حينها مغلقًا، حاله حال أغلب المؤسسات. ولم أكن أعلم قبل اللقاء بالأستاذ أحمد أنه قد فقد بصره منذ سنوات؛ من جراء السنين الطوال التي قضاها مع آلات الأستوديو دون حماية. وما زالت تؤلمني ذكرى وفاته العام الفائت قبل أن أجهّز له نسخة صوتية تخص اللقاء به في الفيلم. 

أرشدني الصديق المخرج فرج معيوف إلى السينمائي صلاح قويدر للحديث عن تجربته في الفيلم القصير، إذ نال أحد أعماله جائزة في مهرجان قرطاج قبل اندلاع الانتفاضة بسنة. ولئن تعمقنا أكثر في السينما المستقلة عن “مؤسسة/شركة الخيّالة”، جلسنا مع عبد الله الزرّوق الذي بدأ اشتغاله السينمائي منذ 1971 بفيلم “عندما يقسو القدر”؛ لنتحدث بالتفصيل عن آمال البدايات وقسوة النهايات.

لم نحصر تحقيقنا في وسط السينمائيين، بل تسامرنا مع مثقفين “سينيفيليين”، فأمست آخر الجلسات مع منصور بوشناف وخالد المطاوع؛ الأول روائي ومسرحي “أدلى بدلوه” بصفته مراقبًا ومهتمًا، والثاني شاعر وأكاديمي أسّس “نادي أريتي للسينما”، الذي عرض أول مرة في البلد أفلام الكرة الأرضية التي سبق ذكرها.

(في الفيلم، عرضتُ تنويهًا ملحًّا: لحظات صمت على أرواح النساء اللاتي غبن عن هذه المقابلات).

 

 

3

ما فاجأني في المقابلات جميعها نبلُ من جلس معي و”وسعة بالهم”، فبعض من قابلتهم حينها لم يعرفوني ولم يعرفوا مآلات الوثائقي، ومع ذلك، جلسوا جميعهم ساعات بلا قهوة أو مرطبات للحديث عن كل شيء. أذكر أننا لم نقدّم حتّى كوب ماء لعبد الله الزروق، ومع ذلك راح يسأل بعد المقابلة: أتريدون مساعدتي في البحث عن شخص ما، رقمه، عنوانه، …! 

لكن من حاورناهم جميعًا لا حول لهم ولا قوة فيما خص “البحث عن الستة”. يخبرني صلاح قويدر أنه لا يعرف مكان نيغاتيف فيلمه الأول، كذلك يخبرني الزروق أنه لا يملك نيغاتيف فيلم واحد من أفلامه الطويلة.

مأساة الأرشيف كامنة في جوهر المسألة السينمائية في ليبيا، فبِهِ “يُفرَج” عن المواد الفيلمية “الوطنية”، وإن كانت شحيحة، لتؤسس ما يمكن التأسيس عليه. أرشيفنا هذا مقسّم اليوم بين عصابات (بالمعنى الموضوعي للكلمة) حازت على بعض مواده، فكل فرد في العصابة يمتلك جزءًا في بيته أو في “مزرعته”، كما يخبرني قويدر.

أمّا عن صالات السينما نفسها، فقد خصصنا اليوم الأخير في التصوير –في طرابلس– لزيارة دور العرض المقفلة أو المهدمَّة أو “المستبدَلة”. رافقنا ذاك اليوم صقر الحوّات، زميلنا في الكلية وصانع أفلام هاوٍ. وإذ لم نقدّم على ترخيص التصوير السابق ذكره، خطرت في بالي فكرة غارقة في الشر: أولًا: نغلق عدسة الكاميرا ونستخدم الميكروفون فقط لسماع الأجوبة التي نود اقتناصها. (إذا نجحت السلطات في قمع حريات الصورة، فلن تنجح في قمع سيل الأصوات). ثانيًا: أرمي بعبد المجيد في وجه المدفع، وأتركه يسأل هو الأسئلة ويمسك هو بالكاميرا، فهو -في النهاية- طرابلسي؛ إذا صودرَت كاميرته واحتُجِزَ فسيجد من ينجده من أهله وصحبه. 

نجحت تحقيقاتنا الصوتية في رصد بعض دور العرض المستبدَلة، ونجح صقر بمهاراته -التي لطالما اكتسبها المصورون الليبيون خشية أن يراهم “العسس”- في اقتناص لقطات فيديو سريعة. نادرًا ما يولّد القمع مهارات كهذه. شاءت الصدفة أن اليوم كان جمعة، وجمعة “سوداء” أيضًا، تلك المستورَدة من أمّنا أمريكا، بتخفيضات مولاتها وازدحام أسواقها، فأمْسَت “لمْدينة” خالية من الشرطة، والحمد لله.

هناك تبدّت سينما “الحمراء” عمارة مقفلة كليًّا، لا سبيل إلى الدخول إليها، أما عن سينما “أوديون”، فمدخلها القاتم مفتوح للمشاة وراء أبوابها الحديدية المُشبَّكَة الموصدة، تحت مشروع صيانة خاص بـــــ”الهيئة العامة للخيّالة والمسرح والفنون”. (تخلّصنا من القذّافي، لكننا لم نتخلص من كلمة “الخيّالة”). سينما “لوكس” تحوّلت إلى دكاكين، وفي أثناء عودتي إلى برقة الشامخة، صوّرتُ سينما “برنيتشي” في بنغازي بكاميرا هاتف الصديق خالد المطاوع قبل أن تُهدَم ببضع شهور، وعلى شاكلتها سينما “رِكس”، كذلك “سينما الخمس” في الخمس. في البيضاء، ما زالت إحدى ديار عرضها تحتفظ بمقاعدها وشاشتها، خلف الأبواب الموصدة بطبائع الأحوال.

سَمَّيتُ الفيلم في نهاية التصوير البائس: “السينما، ولا شيء بسواها”، تيمّنًا بإحدى روائع عبّاس كيارستامي، “الحياة ولا شيء سواها” الذي يعرض واقعًا وتخيّلًا في مستقبل قرية دمّرها الزلزال، فيلتصق الفيلم دون مواربة بتاريخ المخرج ومن عمل معه. هنا الدمار ذاته وهنا الإرادة ذاتها. اِعتَقَد الكثير أن “بسواها” خطأ لغويّ، بيدَ أنه يعبّر تحديدًا عن “السينما، وما فيش شي بلاها”.

 

 

4

أنا من دعاة الرأي القائل إن المدن كالبشر، لها دورة حياة تنتهي بالموت. هكذا لا أبكي على أطلال سينما “برنيتشي” (التي هدّمتها الحرب سلفًا)، أو على أطلال دور الأوبرا التي شيّدها الحاكم الفاشستي ولم يدخل إليها عامة الشعب. الملاحظة الأخيرة هذه لا تنبثق من تسطيح ما-بعد كولونيالي يقلّل من شأن كل ما هو إيطالي في البلد؛ على العكس، بالإمكان دائمًا تحويل منشآت الاحتلال الإيطالي إلى مؤسسات حيوية، والأمثلة كثيرة. الغاية ترمي في النهاية إلى إنشاء الراهن بصرف النظر عن أطلال الماضي، فلا أطلال للسينما الليبية، أبيْنا أم شئنا.

حين نشدّد على ضرورة تدخّل الدولة في إنشاء سينما وطنية، لا ننطلق من خطابات إنشائية تُعنى بالوطنية، على العكس، بل من وعينا أن الدولة ليست عازمة على إنشاء هكذا مشروع. الشعب ذاته لا يهتم بالسينما، وإلا لأسفرت الضغوط الشعبية عن إنشاء دار عرض واحدة في الأقل. هكذا تتأتّى أهمية “التغيير من فوق”، أي من قوى تمتلك المال والأدوات: الدولة. لكن الدولة تُمثّلها هيئة “الخيّالة”، التي تكدّس آلاف الموظفين دون أن نجد بين الآلاف مخرجيْن أو ثلاثة، حسب ما يخبرني منصور بوشناف

وفي الختام، لا يجوز التسوية مع الشكّاك؛ أي أن نخبره بالجدوى الاقتصادية للسينما و”صناعتها”. وَجَب أن تُؤخَذ السينما بكل عناصرها وليس حسب الطلب: أي بتحديّاتها ووقاحتها “المثيرة للجدل”، فضلًا عن ترفيهها. لا يجوز التفكير في فائدة السينما أو هدف السينما أو الفنون عامة، فكل ما يمس الروح ضروري، لا جدوى منه، لا سيما إن باتت تلك الجدوى معنية بالناتج القومي للشعوب. “هي أشياءٌ لا تُشترى”.

 

الكاتب:
سعد العشّه