عندما كنت مراهقة، أردتُ بشدّة إسكات كل من يسألني بتهكّم عن فائدة مشاهدة الأفلام، بجوابٍ مقنع يبعد عنّي جُرم إضاعة الوقت في تفاهاتٍ لا طائل منها؛ ولكنّي لم أستطع فعل ذلك، واكتفيت بالاستمتاع الذي هو مغزى كل ذلك الوقت الضائع من رصيد حياتي، حتّى إنني -وبكثيرٍ من الخجل- أخفيت اهتمامي بالسينما تجنبًا لوصمة عارٍ لست أدري كيف أنفيها.
لكنّي فكرت حينها: حتّى إن لم أجد ما يبرر استهتاري، كنت أشعر بأن كل عملٍ إبداعي أتلقّاه يجعل منّي شخصًا أفضل.
لم أملك القدرة على الإجابة عن تساؤلاتهم التهكميّة، ولا شرح أسبابي في اعتباري لعالم السينما مكانًا جعلني أفضل مما كنت عليه دومًا؛ إلى أن أدركت لاحقًا أن السؤال عن فائدة السينما هو في جوهره سؤال عن معنى الثقافة ذاتها!
كيف يكون الحديث عن السينما حديثًا عن الثقافة؟
قبل أربعِ سنواتٍ من هذه اللحظة، سمعتُ الكاتبة الكويتية بثينة العيسى تصف الثقافة بأنها بيت ضخم يحوي غرفًا عديدة؛ في إحدى الغرف نجد السينما، وفي أخرى نجد الرواية، وفي الثالثة نجد الموسيقى، وفي الرابعة نجد المسرح، وفي البقية نجد ما بقي من مخرجات العمل الإبداعيّ. أما اللغة فليست غرفة من هذه الغرف، بل هي النور الذي يضيء البيت كلّه، لأنها الأداة التي ننقل بها كل ما هو ثقافي ونشكّله بها.
جعلني هذا الوصف أدرك أن الثقافة ليست مجموعة من المعلومات التي يحفظها الإنسان ليتباهى بها، بل هي مزيجٌ من مفاهيم أنتجها أناسٌ قبلنا، وأنها ليست شيئًا ساكنًا، بل مناخٌ شامل نعيش فيه، يبدأ من الأفكار والمعتقدات وينتهي بأبسط تفاصيل حياتنا: ما نرتديه، وكيف نتحدث، وكيف نفكّر ونتصرّف، وهل نحن قادرون على التحليل والربط والنقد والتعبير عن أنفسنا كقدرتنا على الأكل والشرب؟
لهذا السبب، وابتداء من هذه النقطة، سنتحدّث عن السينما بوصفها جزءًا مهمًّا من مفهوم الثقافة.
كيف تصنع السينما الفرد المثقّف؟
ربما يتفق البعض على أن الأفلام أحد أهم المخرجات الثقافيّة الإنسانية، وهذا يعني أنها نتاج مباشر للعقل الجمعي والقيم والمخيلة البشرية، وذلك لأن السينما تسجّل اللحظات التاريخية والاجتماعية من منظور الإنسان العادي، لا من منظور المؤرخ، لذا يمكن للمؤرخين دراسة تاريخ المجتمعات من طريق أفلامها، لأنها تحفظ ذاكرة بصرية وجدانية للأزمنة، وتعبّر عن رؤية الإنسان حينها لذاته وللعالم من حوله؛ ولكن هل فكّر أحدنا من قبل ما هو التأثير الحقيقي للسينما في بناء الإنسان نفسه؟
الإنسان الذي يتلقى المخرجات الثقافية، مثل السينما، لا يتأثر بالمحتوى فحسب، بل تُعاد صياغة بنيته المعرفية والوجدانية!
كل مشاهدة تضيف طبقة جديدة إلى وعي الإنسان، تجعله يرى العالم من زوايا متعددة ومختلفة، ويفهم أن الحقيقة ليست مطلقة بل نسبية، ومن هنا تولد القدرة على التفكير النقدي، لأنه لم يعد يرى الأشياء كما تُقدم له، بل كما يمكن أن تكون، ولأن كل فيلم هو تجرِبة إدراكية جديدة، فالمشاهد يتعلم كيف يرى التفاصيل والإشارات الخفية، ومع الوقت، يتدرّب ذهنه على قراءة الواقع كما يقرأ المشهد السينمائي، بالكثير من التحليل والربط، ثم إن مشاهدة الثقافات المختلفة تصنع القدرة على فهم الآخر والتعاطف مع أفكاره، حتّى إن كان غير قادر على تبنّيها، ويُدرّب الفن ذهنه على الربط بين الأشياء غير المتوقعة، وبمرور الوقت تتكوّن في داخله ملكة الإبداع التي ترى العلاقات الخفية بين الأفكار المختلِفة، ثم يكون قادرًا على صناعتها والتعبير عنها.
والأهم من كل هذا، هو أنه قد يكتسب مع مرور الوقت رغبةً شديدة في التعبير عن كل الصور والأفكار والمشاعر والفنون المحتشدة في عقله، وتتعاظم هذه الرغبة شيئًا فشيئًا حتّى تتحوّل إلى محاولاتٍ صغيرة، ثم تجارِب حقيقيّة، حتّى يكتشف أنه قد بدأ يترجم نفسه في أعماله، ويصنع شيئًا مختلفًا في بيت الثقافة، فيتحوّل عند تلك المرحلة من مستهلك إلى منتج.
ماذا يحدث للفرد عندما يتجاهل قيمة المخرجات الثقافيّة (السينما مثالًا) ويعدّها رفاهيةً لا يحتاج إليها؟
يصبح فردًا غير مثقّف! وقبل أن تعترض على هذا الوصف، دعنا نتخيّل شخصًا فاقدًا لملكة التفكير النقدي والإبداعي، وملكة الربط والتخطيط والتحليل والتعبير عن النفس؛ ماذا بقي في هذا الإنسان؟ لا شيء!
إن هذه الملكات هي ما يصنع الفرد المثقّف، ونحن هنا عندما نتحدّث عن الثقافة لا نقصد المعلومات التي يملكها الإنسان من تلقّي العلوم الجامدة، بل المهارات التي يستطيع بواسطتها أن يفهم الواقع ويغيّره. فالثقافة هي المناخ الحاضن لكل ممارساتنا، والإطار الذي تتكوّن فيه قيم المجتمع وسلوكياته ونظرته إلى العالم، إنها التي تحدد كيف نفهم العمل والسلطة، وكيف ننظر إلى المرأة والقانون، وكيف نبني مفهوم الخير والشر داخل وعينا الجمعي، لذلك فالفرد غير المثقف ليس مجرد شخص غير مهتم بالثقافة، بل هو عنصر يهدد تماسك المجتمع، لأنه يفتقر إلى الوعي الذي ينظّم سلوكه ضمن النسيج الإنساني والاجتماعي.
وبالنظر للأمر بطريقة عمليّة، عندما تحوّلت دور السينما في ليبيا إلى مخازن باهتة ونُفِيت كل المظاهر الثقافية، على اعتبار أنها رفاهيّةً لا يحتاج إليها الشعب؛ بدأ نسيج المجتمع بالانهيار فعليًّا، لأن غياب المظاهر الثقافية لا يُنتج فراغًا فنيًّا فحسب، بل يصنع إنسانًا هشًّا في داخله، جافًّا في سلوكه، فاقدًا لأدوات التفكير والتعبير، فالوعي حين يُحرم من الثقافة؛ يضعف، وتتحوّل المجتمعات إلى كيانات سريعة الغضب، فقيرة في الخيال، عاجزة عن الحِوار؛ وهذا تمامًا هو حال مجتمعنا الليبي.
لهذا السبب نستطيع القول بثقة: إن الفرد غير المثقف هو قنبلة موقوتة تهدم نسيج المجتمع.
إذًا، كيف تساهم السينما في نجاة المجتمع؟
كنّا قد اتفقنا أن السينما أحد أهم المخرجات الثقافيّة، وأن الثقافة هي المناخ الحاضن لكل ممارساتنا، وأنّ المشكلة دائمًا هي مشكلة ثقافيّة بالدرجة الأولى، لذا سنحتاج لحلها إلى فرد مثقف، يمسك بين يديه أدواتٍ مهمة: القدرة على التحليل والربط والتخطيط، والتفكير النقدي والإبداعي، وغيرها…
حين نواجه مشكلة في مؤسسة ما، نظنّها فنية أو إدارية، فيما هي في الحقيقة مشكلة ثقافية! مثلًا عندما يرى الموظف عمله عبئًا لا قيمة له، فالمشكلة ليست في قدرته بل في ثقافته عن العمل، وعندما تمارس الدول رقابة خانقة على الفكر، وتغلق دور السينما وجميع المظاهر الفنية في البلد، فالقضية هنا ليست قضية قانونية بل ثقافة رقابية، فالثقافة هي التي تصنع طريقة فهمنا للعالم، وما لم تتغيّر، ستظل الأخطاء تتكرر مهما بدّلنا الأشخاص أو القوانين.
حين ندرك أن كل أزمة في المجتمع هي في جوهرها أزمة ثقافة، ندرك أن العلاج لا يكون بالقوانين ولا بالخطب الجافة، بل بتكوين الفرد المثقف، والفرد لا يُصنع بمحاضرات نظرية، بل بتعريضه المستمر للمخرجات الثقافية، وذلك يعني: أن يقرأ، وأن يشاهد، وأن يستمع، وأن يتذوّق الفن.
كل تفاعل مع عمل إبداعي هو تدريب غير مباشر على التفكير النقدي والإبداعي، على التحليل والربط، على الإحساس بالجمال والمعنى، عندها فقط تبدأ المجتمعات بالتحوّل من الفوضى إلى الوعي، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن العشوائية إلى الإبداع؛ لأن الثقافة -ببساطة- هي التي تُعيد للإنسان قدرته على أن يكون إنسانًا.