في قلب طرابلس الليبية، حيث كانت الأضواء تُطفأ إيذانًا ببدء العرض، ويخيّم الصمت على الجمهور الجالس أمام شاشة كبيرة مفتوحة على العالم، تكونت ذاكرة بصرية لأجيال من الليبيين في القرن الماضي، عن طريق عروض سينمائية أمريكية وهندية وإيطالية وعربية.
اليوم، تعود سينما الرشيد بوصفها اسمًا يتردد في الذاكرة الجماعية للمدينة، مبنًى كان شاهدًا على تحولات طرابلس وذائقتها الفنية والثقافية، وعلى أحاديث عابرة كانت تدور خارج صالة العرض عن الممثلين والمشاهد الأكثر تأثيرًا، لتتحول السينما من مجرد مكان للتسلية إلى فضاء اجتماعي وثقافي نابض بالمعرفة.
تجربة سينما الرشيد -التي بُنيت في ميدان 9 أغسطس الذي سمي لاحقًا ميدان السويحلي- ليست حالة معزولة، فقد شهدت السينما في ليبيا تحولات كبيرة، بدأت من تغير المؤسسات التابعةِ لها دورُ السينما إلى التأميم. وبذلك تحولت ليبيا من دولة رائدة سينمائيًّا إلى الإغلاق التام. وقد هدمت سينما الرشيد في أبريل 2021.
ويقول الناقد السينمائي رمضان سليم من أسباب شهرة دار عرض الرشيد موقعها الجغرافي في قلب مدينة طرابلس، إلى جانب أسعار تذاكرها المناسبة لشرائح واسعة من الجمهور، فهي متواضعة لا تحتوي على نوافذ، وسقفها من قطع (الزينقو)، وبها مراوح تعمل باستمرار ولكنها خفيفة وغير مؤثرة، والدار -حتى مع إنارتها الضعيفة وحيطانها المتسخة- تلقى إقبالًا كبيرًا من الرواد، فقد كانت هي المتنفس شبه الوحيد للتسلية والمتعة الأسبوعية.
ويضيف: “في هذه الدار شاهدت الأفلام العربية بالأبيض والأسود، التي تتكرر بسبب إقبال الناس عليها، مثل أفلام إسماعيل ياسين وفريد الأطرش وأنور وجدي وأم كلثوم وفريد شوقي ومحمد عبد الوهاب وغيرهم. ما زلت أذكر جيدًا أول فيلم شاهدته وهو فيلم (عفريتة إسماعيل ياسين)، ولعل سبب ارتباطه بالذاكرة أنه يحتوي على بعض الخدع البسيطة التي كانت تبدو لنا وقتها غريبة، خصوصًا الكيفية التي تظهر بها العفريتة، وهي الراقصة كيتي”.
حين تتداخل الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية تتحول السينما من مبنى عام إلى مساحة خاصة للتجربة الأولى والانبهار. وهنا أفاد رمضان سليم: “أذكر جيدًا أن السبب في دخولي سينما الرشيد أول مرة هو رغبة خالي في ذهابي معه وهو المتردد على السينما أسبوعيًّا، ولولا ذلك لكان من الصعب إقناع أسرتي بالموافقة على هذه الخطوة، مع أنها تعد بسيطة وطبيعية في ذلك الوقت. بعد ذلك أصبح الذهاب إلى السينما من عاداتي الأسبوعية، شاهدت على شاشتها الكثير من الأفلام، منها: إسماعيل ياسين في الجيش، وإسماعيل ياسين في البوليس الحربي، وإسماعيل ياسين في متحف الشمع، وإسماعيل ياسين ملك البترول، وأفلام فريد الأطرش الغنائية مثل لحن الخلود. وأفلام عبد الحليم حافظ، والأفلام: قبلة في الصحراء، وفاطمة، وسلامة، للفنانة أم كلثوم، وأفلام محمد عبد الوهاب مثل ممنوع الحب الذي كان يقدم في نسخة رديئة، أعتقد أن ذلك بسبب تكرار العرض، وربما كان يُنظر إلينا على أننا جمهور من الدرجة الثالثة”.
سينما صيفية وشتوية
لم تكن دور العرض السينمائي في ليبيا مجرّد مبانٍ صامتة، بل كانت مواعيد دائمة مع المعرفة والدهشة. وعلى تلك المقاعد، في صالات مظلمة، تعلّم جمهور الفن والآداب كيف يمكن لشريط سينمائي أن يفتح نافذة على تفاصيل حياة شعوب أخرى وثقافتها.
حتى مع غياب توثيق رسمي دقيق لتاريخ تشييد سينما الرشيد، تشير بعض المصادر المحدودة التي أمكن الوصول إليها إلى أن بناءها يعود، على الأرجح، إلى منتصف خمسينيات القرن الماضي، في مرحلة كانت فيها العاصمة طرابلس تستعيد أنفاسها بعد الحرب العالمية الثانية، وتتهيأ لمرحلة جديدة من الاستقرار والإعمار زَمَنَ القائد العسكري إيتالو بالبو.
وكانت سينما الرشيد تُعرف حتى الخامس من فبراير عام 1959 باسم سينما «A.B.A».
وفي تلك الحقبة، هيمنت شركة النصر، المملوكة لرجل الأعمال الفلسطيني خليل الجاعوني، على النشاط السينمائي في المدينة، إذ امتلكت عددًا من أبرز دور العرض، من بينها سينما النصر بسوق الترك (التي كانت تُعرف بمسرح البوليتياما قبل عام 1943)، وسينما الرشيد، إضافة إلى سينما الكورسال التي افتتحت في 17 يوليو 1958، وسينما «A.B.T».
انقسمت دور العرض السينمائي في طرابلس إلى دور عرض شتوية وأخرى صيفية. من بين دور العرض الشتوية كانت سينما الحمراء (الهميرا)، التي أُعيد افتتاحها بعد أعمال التجديد والتنظيم في مبنى من طابقين يوم 18 نوفمبر 1950، كما ضمّت القائمة سينما النصر، التي تأسست عام 1943 (وكانت تُعرف سابقًا بمسرح البوليتياما) في سوق الترك، وسينما الغزالة التي عُرفت باسم أونيون بعد افتتاح مبناها الجديد في 27 سبتمبر 1947، قبل أن يتغير اسمها إلى آدريانو في أبريل 1951، ثم آلت ملكيتها إلى شركة السينما الليبية مطلع عام 1954.
وضمت دور العرض الشتوية أيضًا سينما لوكس بشارع عمرو بن العاص، وسينما الرشيد بميدان 9 أغسطس، وسينما لابي وسينما قابي بشارع الصريم، المملوكتين للإيطالي ليفيراني، إضافة إلى سينما الودان بشارع آدريان بلت، وسينما المتروبول بشارع الكويت، وسينما الأوديون بشارع المغاربة (شارع ريكاردو سابقًا)، التي افتُتحت في 29 يناير 1947، وشُيّدت في مبنى من طابقين يضم نحو 800 مقعد (وعُرفت لاحقًا باسم الزهراء)، وقد احتوت على مسرح للتمثيل، ومقهى، وصالون للرقص، وكانت أول دار سينما تستخدم الستار الذهبي.
وشملت القائمة كذلك سينما رويال بشارع مزدة، وسينما «A.B.T» بشارع هايتي، وسينما الكورسال في منطقة الظهرة الكبيرة.
أما دور العرض الصيفية فكان من أبرزها أرينا جاردينو بشارع حسونة باشا، وسينما «A.B.A» بميدان 9 أغسطس، وسينما الكورسو بشارع بيروت، وسينما ريفولي بجادة عمر المختار، وسينما أسترا بشارع ابن رشد.
إلى جانب ذلك، احتوت قاعدة الملاحة على قاعة سينما تتسع لنحو 5000 شخص، كان يُعرض فيها فيلم كل يومين، لكنها خُصصت حصريًّا للجالية الأمريكية داخل القاعدة.
أفلام إيطالية ومجلات فنية
أفاد رمضان سليم أن من مزايا دار عرض الرشيد، أنها تعلن عن الشريط المعروض في إطار يقع على يسار المدخل، والإطار الذي على اليمين يعلن عن الشريط القادم، ومن النادر جدًّا أن يحدث تغيير في المواعيد، وهذا الأمر ينطبق أيضًا على الملصقات التي بداخل ردهة القاعة، وهي معلقة بتوزيع غير منظم يمهد لعروض قادمة غير طارئة إلا في أيام الأعياد.
كانت التذاكر صغيرة الحجم تقذفها آلة صغيرة، ولا تُقطع باليد عند الشراء، ولكنها تقطع عند الباب، والدخول كما هي العادة في أغلب دور العرض في كل وقت، إذ تستمر العروض على نحو متواصل، ومنهم من يشاهد الفيلم أكثر من مرة، ليس للمتعة فقط، ولكن لإضاعة الوقت لا سيما في فصل الشتاء، إذ يُسمع صوت المطر الخفيف على السقف، لكنه لا يغطي على صوت الممثلين.
وبحسب رمضان سليم، ارتبطت دار عرض الرشيد في الذهن بالأشرطة العربية المصرية، ومن النادر أن تُعرض فيها أفلام أجنبية، وقد حدث ذلك في سنوات متأخرة نسبيًّا.
وكان للأفلام الإيطالية التاريخية جمهورها الواسع، ومن ذلك أفلام هرقل وماشيستي والمصارعين العشرة وأورسوس وسبارتاكوس.
وتابع: “دار عرض الرشيد بمدينة طرابلس كانت مكانًا للقاء الأصدقاء، ويمكن أن يرتبط هذا اللقاء برحلة في شوارع مدينة طرابلس، أو بالذهاب إلى دار عرض أخرى، لكن في الغالب يستقر الأمر على مشاهدة الشريط المعروض في سينما الرشيد، بسبب سهولة العودة إلى البيت مهما تأخر الوقت، ولوجود الكثير من المتطلبات في الأزقة والشوارع القريبة منها، خاصة أكشاك بيع المجلات لا سيما الفنية منها”.
وأضاف: “لقد شهدت سينما الرشيد في أوقات لاحقة تنوعًا في أفلامها، من الأفلام العربية الكوميدية والغنائية إلى الأفلام الدرامية المقتبسة من روايات عربية وعالمية، ولقد كان لذلك أثره البالغ في المقارنة بين عالم الفرجة السينمائية والقراءة الأدبية، لا سيما روايات إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ونجيب محفوظ، التي تحولت إلى أفلام سينمائية”.
من جانب آخر عرضت دار عرض الرشيد بعض الأفلام، التي يمكن وصفها باليتيمات، ومن ذلك فيلم كتاب الأدغال إنتاج 1940 لمخرجه زولتان كوردا، وفيلم لص بغداد الذي أُنتج عام 1940، وفيلم علي بابا والأربعين حرامي”.
أفلام سميرة توفيق وليلى مراد
الخروج من الفيلم السينمائي كان امتدادًا لحكاية أخرى، تصنع ذكريات صغيرة تدوم طويلًا بين محبي السينما، وهنا يقول رمضان سليم: “لم تعرض دار عرض الرشيد في مرحلة الستينيات أشرطة أمريكية، بل كان المعروض في الغالب من الأشرطة العربية والإيطالية، لا سيما أشرطة المغامرات، كما أنها أفردت مساحة كبيرة للأفلام الغنائية بسبب إقبال الجمهور عليها. وأذكر جيدًا أن أفلام المطربة سميرة توفيق قد عرضت في هذه القاعة تباعًا، ومنها: البدوية العاشقة، وبدوية في باريس، وبدوية في روما”.
ولا يمكنني نسيان سلسلة أفلام ليلى مراد، مثل: ليلى بنت الفقراء، ليلى بنت الأغنياء، ليلى بنت الشاطئ، ليلى بنت مدارس، وفيلم عنتر بن شداد أيضًا بنسختيه الأبيض والأسود والملون.
ويضيف: “لا توجد دار عرض واضحة لها صفة شعبية الرشيد إلا دار عرض الغزالة التي تقع في ميدان الغزالة، وهي متخصصة في الأفلام الأجنبية، لا سيما أفلام رعاة البقر الإيطالية. إن دار عرض الرشيد كانت مرحلة انتقالية لدور عرض أخرى بعد ذلك، مثل دار عرض الشعب (الرويال سابقًا) ودار عرض الخضراء (الحمراء سابقًا) ودار عرض الفتح (اللوكس سابقًا)، إضافة إلى دار عرض النصر التي كانت منافسة لدار عرض الرشيد في نوعية الأفلام القديمة التي تعرضها وموقعها في المدينة القديمة (سوق الترك)”.
وختامًا: “ماذا يعني أن تُهدم دار سينما؟ أهو سقوط مبنى فحسب؟ أم محو جزء من ذاكرة مدينة؟ سينما الرشيد كانت أكثر من شاشة ومقاعد، لقد كانت زمنًا كاملًا من التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والفنية!
خلود الفلاح