1
أشير في العنوان إلى مفارقة نشهد تجلّيّاتها في مجتمعاتنا: كيف نؤسّس لصالات سينما “بديلة” إن لم نؤسس أصلًا لصالات عرض تجارية معتَرَف بها وفق المعايير التي تخوّلها لعرض أفلام جديدة؟ الإجابة كامنة في استيرادنا المصطلحات من أهل السينما، أي من العالَم الأورو-أميركي والآسيوي، فقبل قرنٍ كاملٍ كان قد مرّ على الفيلم الروائي ربع قرن، تخمّرت فيه تجارب المونتاج التي خلقت لغةً سينمائية متفرّدة في الاتحاد السوفيتي وألمانيا وأميركا واليابان، وتجاوزت هذه التجارب الانغماس في الفيلم التجريبي بتأثير مدارس الحداثة في الأدب والمسرح. هكذا انتشرت أندية السينما في العالم لحفظ “كنوز” سينما الكوكب، والتعرّف على أصوات البعيد فضلًا عن إنتاجات القريب.
ولئن صار المشهد أكثر تعقيدًا من تقريرنا، نشير بإيجاز إلى أشهر دور العرض البديلة في محيطنا المتوسطي: المكتبة السينمائية الفرنسية، أو “السينماتِك” الفرنسية، وتُنقَل الكلمة الفرنسية إلى لغات عدة منها الإنجليزية (إذا جاز تعريب السينما هنا، جاز أن نقول “المَسْنَمة الفرنسية”، على غرار “المَكْتَبة” التي تحمل ذات الصيغة اللغوية). لقد أمسى أحد مؤسّسيها، هنري لانغلوا، أسطورةً ثقافية في الوسط السينمائي الأوروبي، وهو الذي كان قد دأب منذ الثلاثينيّات في حفظ أفلام الكوكب التي نهلت من الاتجاهات الفنية كافةً.
في فبراير 1968، أصدرت وزارة الثقافة الفرنسية قرار إقالة لانغلوا من منصبه مديرًا للسينماتِك، فثار سينمائيّو “الموجة الجديدة” الفرنسية الذين تتلمذوا على أفلام السينماتِك التي كانت ستضيع لو لم يَجُب لانغلوا الأرض لنسخها، ومنها أفلام فرنسية أيضًا. ستكون هذه الاحتجاجات نواة “ثورة 1968” التي اجتاحت فرنسا في مايو لتشمل مناحي الثقافة والعمل والسياسة والاجتماع.
خلاصة القول: إن هذه العروض الصغيرة التي شاهدها -ويشاهدها- بعض مجانين السينما، قادرة على خلق صدمات مجتمعية تُسفر عن ثورات ثقافية اجتماعية سياسية. وبما أن الثورات تعني الفتنة في مجتمعنا الحبيب، سنعرض تجاربنا في السياق المتوسّطي.

من معرض فنون الفيديو بالسرايا الحمراء طرابلس عام 2013
2
لسنا معنيين هنا بتاريخ نوادي السينما والعروض الخاصة في عهد المملكة والجمهورية والجماهيرية، فمنذ سنوات تأسيس السينما (من 1968 إلى 1972، أي قبل تدشين مؤسسة “الخيّالة”)، نسمع عن نوادي سينما ومجانين سينما، حالهم حال غيرهم من المجانين في الكوكب، فنحن بشر في النهاية، لكن ما يصعب تخيّله هو قدرة هذه النوادي على عرض ما كانت تعرضه السينماتِك الفرنسية، أو أي سينماتِك في الدول العربية المجاورة التي شهدت تأسيسًا متينًا للسينما، لأن الأفلام آنذاك كما نعرف عُرِضَت في صيغة الشريط الضوئي فقط، فأضحى الحصول عليها شاقًّا وبطوليًّا كما أضحى على إنغلوا، ومن ثم تركزت العروض على جهود موزّعي الأفلام التجارية الذين عرضوا ما تعرضه القاهرة وبيروت.
سيتغيّر الوضع إبّان انتفاضة 17 فبراير مع ظهور “نادي آريتي للسينما” المنبثق من “مؤسسة آريتي للثقافة والفنون”. بدأ النادي عروضه في “دار الفنون” بطرابلس في 2012، بفيلم أصغر فرهادي “انفصال”. ولأن النادي يعي تمامًا حساسية المجتمع الثقافية، فلم يذكر جنسية الفيلم في تقديمه في كتيّب موسم العروض، ذاك أن الليبيين طالما ربطوا أي تعرّف على الثقافة الإيرانية بالتشيّع.
يخبرني خالد المطاوع، أحد مؤسسي المؤسسة، أن أكبر نجاحات الفيلم لم تتأتّ فقط من عدد المشاهدين في أغلب العروض، بل من أهمية العرض ذاته؛ فعروض أفلام إنغمار بيرغمان مثلًا (في مواسم 2014 الأخيرة)، لم تجذب سوى القليل من “السينيفيليين” في طرابلس، بيد أن القلّة لا تعني الخواء بالضرورة. هكذا استمر النادي في عروض كلاسيكيات السينما العالمية التي يعدّها المطاوع “إنجازًا” قد يمتد إلى توزيع كتيّبات العروض على طلبة السينما في الكليات والمعاهد.
في ذات العام، 2012، نقل النادي تجارِبه في العروض إلى المدينة القديمة في مهرجان “اللمحة الأولى”، فعرض أعمال “فن الفيديو” من العالم على جدران المدينة البيضاء. بهذا الاحتفال الثقافي جرى “ربط القديم بالحديث” كما يقول، لأن الشباب في العاصمة -كما رأى- لم يشتبكوا بعوالم المدينة القديمة، فصارت تجرِبة الفرجة مجتمعية بامتياز.
في 2013، بعد نجاح “اللمحة الأولى”، صارت “اللمحة الأولى” الثانية، وهذه المرة في “السرايا الحمراء”. تستمر هنا تجرِبة ربط المتفرج بمحيط العرض، فأغلب الليبيين لم يدخلوا إلى السرايا، ومعظمهم واجه صعوبة في الدخول إليها، كما يتذكر المطاوع. وأضاف أنه في هذه النسخة كانت أغلب اختيارات العروض تنتقد جوانب من المجتمع الليبي؛ من طريق أعمال ضمّت أصوات الكوكب بأسره.
بعد المهرجان مباشرةً، انضممتُ إلى فريق النادي لأبرمج عروض ثلاثة مواسم. في هذه التجربة اختبرتُ ما قد قرأته في كتابات النقّاد والمبرمجين في العالم؛ أنه في خضم سيادة مالكي أستوديوهات هوليوود في توزيع الأفلام في العالم، يظل الفضول مالكًا لضمائر المجتمعات في اكتشاف الآخر من طريق السينما “البديلة”. والسينما البديلة هذه لا تملك وجهًا واحدًا، فهي تقارب الخط السردي “التقليدي” تارةً، وتتمرد عليه تارة ثانية، لتلخبط الصيغة في تارة ثالثة. وبما أننا في “سنة أولى” سينما، كانت جُلّ اختياراتنا في النادي تنتمي إلى الفئة الأولى وقليل منها إلى الثانية.
من أجمل اللحظات التي لن أنساها، تقدّم مشاهد إليّ بعد العرض لطلب نسخة من الفيلم لكي يشاهده مرة ثانية. كان طالبًا في معهد الفنون، وكان الفيلم Incendies” “الكندي المقتبس من مسرحية وجدي معوّض عن أهوال الحرب الأهلية اللبنانية ومآلاتها في كندا (ومآلاتها في ليبيا في هذه الحالة).
في صيف 2014 البهيج، سيطر الخوف على روح طرابلس قبل أن يسيطر على جسدها. توقفت عروض نادي السينما في النادي دون اجتماع أو تخطيط، فالحرب تأتي لنا دون خطط. لم نحسِب أن موسم الصيف كان ليمسي آخر المواسم. على أن مؤسسة آريتي تستمر في أنشطتها الثقافية إلى يومنا هذا. وحده نادي السينما معلّق.

من أحد عروض الأفلام في تجمع تاناروت، بنغازي عام 2018
3
بعد نكبة صيفنا البهيج، تأسس “تجمّع تاناروت” على أنقاض الحرب الدائرة في بنغازي في 2015. طلبتُ من الصديق حسام الثني، أحد مؤسسي التجمّع، أن يقف على أطلال النادي في بعض الجوانب المتعددة، وحاله حال آريتي، يطول الحديث عن هذه الأطلال، لكننا نقف على إضاءات من شأنها أن تكشف عن جمال وقبح.
كان يجتمع حسام بأصدقائه الفنانين والكتّاب السينيفيليين في بيته لعرض أفلام من بروجكتور خاص كل أسبوع، ومن هنا ذكّرهم أحد الأصدقاء “العجائز” بنادي سينما في بنغازي في التسعينيّات كان يتردّد عجوزنا عليه. وكما أسلفنا في شأن نوادي السينما المطموسة في البلد، أقفلت الأجهزة الأمنية النشاط بطبائع الأحوال.
كان فيلم الافتتاح “تمبكتو” للموريتاني عبد الرحمن سيساكو الذي اشتغل أساسًا في سينما مالي. ونلاحظ في افتتاحيْ آريتي وتاناروت التوجّه إلى السينما العالمية في البداية، ليس إنتاجيًّا فحسب، بل مزاجيًّا من ناحية الثيمات “الإنسية” التي تصلح أن تعرّف المشاهد على سينما بديلة بالفعل.
أتذكرون تجنّب آريتي ذكر اسم إيران في فيلم “انفصال”؟ وقع نادي “تاناروت” في فخ التشيّع حين عرض فيلمًا إيرانيًّا (بالمناسبة، دائمًا ما يمزج حرّاس الفضيلة في ليبيا التشيّع بالإلحاد بالعلمانية بالماسونية بالإباضية… إلى غيرها من المفاهيم التي لا يجوز الخلط بينها، فما بالك بمزجها). من هنا بدأ الصدام المجتمعي بالنادي وعروضه التي شملت مناحي الفنون والثقافة كافةً.
يستدرك حسام بعض خيارات التجمّع في التعامل مع هذه الصدامات، فيخبرني أنه جاز لهم الإصلاح بدلًا من الثورة، و”المسايسة” مع المعارضة المجتمعية بدلًا من الاصطدام بها، فبعد المضايقات التي هندستها هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بدعم الأجهزة الأمنية بطبائعها، قرّر مؤسّسو التجمّع ومديروه إقفاله تمامًا بعد النجاة من مخاض المحاكم وكورونا في 2020.
تنتشر الآن بعض المؤسسات الثقافية في ليبيا التي تعلّمت من التجربتيْن السابقتيْن لتغدو “خجولة”، تمسك بشعرة معاوية بلا معاوية. لكن العروض الموسمية للأفلام لم تتجدد بعد “تاناروت”.
نوّهنا في الافتتاح عن رغبة النقّاد والسينيفيليّين في أرشفة سينما العالم وخلق مساحة هادئة بعيدًا عن محتكري التوزيع والصالات. في عصرنا هذا، صار سهلًا على مجانين السينما مثلي أن يشاهدوا ما طاب لهم من أفلام العالم، من أولى تجارب الأخويْن لوميير إلى ما برز في مهرجانات هذه السنة. من هنا لا تصبح أهمية صالات العرض البديلة في ليبيا كامنة في الأرشفة (فتلك مهمة “العالم الأول”)، بل في إرساء مرجعيّات سينمائية تعرّف المجتمع على العالم بعيدًا عن إنتاجات هوليوود الضخمة، لا لأنها مؤذية، بل لأنها ليست الوسيلة الوحيدة في التعبير عن هذا الفن المتجدّد الذي لم يتعرّف عليه جلّ سكّان العالم بعد، وبعيدًا عن تعالي “النخبة” القائلة إن هذه الأفلام لا تليق بالمشاهد “البسيط”، فإذ بهذا البسيط يفاجئهم في كل مرة.
في آخر الكلام، نذكّر بالجوهر الجماعي لأي عرض في صالة تجارية أم بديلة. تكاد كل عروض الأفلام تشمل جلسة حوار بعد العرض مع صانعيه، فالفيلم لا تنتهي دورة حياته بعد انتهائه. في الأندية السينمائية التي ذكرناها ولم نذكرها، صاحَبَ عروضها جلسات مناقشة قاربت بين محتوى الأفلام والقضايا الاجتماعية في البلد، ففضلًا عن مناقشة قضايا تشبه قضايانا، نشتبك مع ما يتعارض معها. وفي النهاية تصبو السينما، كباقي الفنون، إلى طرح الأسئلة، وإلا ما بات لها صدمتها المجتمعية وما احتجنا إلى حلقات نقاش.
سعد العشّه