في السنوات الأخيرة، ظهر عدد من الأسماء الشابة التي تحاول أن تخلق لها مكانًا داخل المشهد السينمائي الليبي، مع غياب السوق الحقيقي والصعوبات التنظيمية والمالية. من بين هذه الأسماء يأتي المنتج والمخرج عبد العزيز لملوم، الذي بدأ رحلته على أنها هواية في سنوات الثورة، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا لدراسة صناعة الأفلام والوسائط الرقمية، ويعود بخبرة عملية جعلته يرى الواقع السينمائي الليبي من زاوية مختلفة.

في هذا الحوار يتحدث لملوم بصراحة عن تجرِبته الأولى في الإنتاج داخل ليبيا، والدروس التي اكتسبها، ورؤيته لمستقبل الصناعة وما يحتاج إليه الشباب لصنع حضورهم فيها. حوار يطرح سؤالًا جوهريًّا: هل يكفي الشغف لصنع فيلم؟ أم أنّ الطريق يبدأ بالإصرار على التجربة حتى مع كل الصعوبات؟

 

 

 

1- بداية… كيف يقدّم عبد العزيز لملوم نفسه للجمهور الليبي؟

 

أنا منتج ومخرج سينمائي، في البداية كانت السينما مجرد هواية في أيام الثورة، ثم عملت في التلفزيون بين ليبيا ومصر. وبعد ذلك، عندما انتقلت إلى بريطانيا. لم أكمل دراستي الجامعية في الهندسة، بل دخلتُ مجال صناعة الأفلام والوسائط الرقمية، وتعلمت كل المراحل من كتابة السيناريو حتى تنفيذ الفيلم، وحصلت على البكالوريوس في هذا التخصص.

 

 

2- ما أبرز الأعمال التي أنتجتها أو أخرجتها؟

 

من ناحية الإنتاج: أنتجت فيلم «مناظرة» للمخرج محمد التريكي والكاتب سراج الهويدي، ونفذت عددًا من البرامج لمنصة “الواو ليبيا”. أما في بريطانيا، فمعظم عملي كان في مجال الدعاية التلفزيونية. وفي السينما داخل ليبيا، فلم أُنتج سوى فيلم واحد وهو «مناظرة».

 

 

 

 

3- ما التحديات اللوجستية أو الفنية التي واجهتكم في أثناء تجربة التصوير في ليبيا؟

 

في الحقيقة، لم أكن أخطّط لتصوير فيلم داخل ليبيا، لكن عندما توفرت الفرصة والميزانية قررت أن أخوض التجربة. المشكلة الأساسية أنّ صناعة فيلم سينمائي بجودة عالية أمر صعب جدًّا هنا، لأن ذلك يحتاج إلى عدد كبير من العاملين المحترفين الذين يمتلكون خبرة حقيقية في العمل السينمائي.

فرق كبير بين التصوير التلفزيوني والتصوير السينمائي، والسوق الليبي ما يزال صغيرا جدًّا في هذا المجال. حتى الممثلون -سواء المسرحيون أو من يظهرون على الشاشة- غير معتادين على طريقة العمل السينمائي التي تتطلب وقتًا طويلًا ودقة كبيرة وجودة عالية.

كان علينا أن نستعين بأشخاص لم يسبق لهم العمل في السينما وأن ندرّبهم من البداية، وهذا بحد ذاته مثّل تحديًّا لنا. حتى في اختيار الممثلين، أجرينا تجارب أداء لأشخاص لم يسبق لهم التمثيل، وبعضهم تولّى أدوارًا رئيسية، فكان علينا أن نعلّمهم كيفية التعامل مع الكاميرا بالأسلوب السينمائي، وهي أمور لم تكن مألوفة لهم.

أما التصوير في المواقع الخارجية، فالدولة ما زالت تفتقر إلى نظام واضح للتصاريح. أحيانًا نحصل على موافقة للتصوير في مكان ما، ثم تُسحب الموافقة لاحقًا. إن معدات التصوير الكبيرة تُثير الكثير من القلق لدى الناس، لا سيما في الأماكن العامة، فهم غير معتادين على رؤية إضاءة كبيرة أو كاميرات سينمائية خارج الاستوديوهات.

كانت التجربة صعبة، لكنها أشبه بمدرسة حقيقية، وأتمنى أن تتحسن الأمور مع مرور الوقت.

 

 

4- بصفتك منتجًا، كيف ترى دور صناعة الأفلام الليبية في معالجة القضايا الإنسانية؟

 

أؤمن بأن صناعة السينما الليبية بالغة الأهمية في هذا السياق، لأنها تضفي طابعًا إنسانيًّا على قضايا معقدة غالبًا ما تختزل في أرقام أو عناوين إخبارية. فعندما نتناول مواضيع مثل حقوق الإنسان أو الانقسامات الاجتماعية في قصص قائمة على شخصيات سينمائية؛ فذلك يخلق مساحة آمنة للحوار دون أسلوب تصادمي أو عدواني.

تتيح لنا السينما إبراز صمود شعبنا وقوة النسيج الاجتماعي داخل مجتمعاتنا، ثم إنها تساعدنا على استيعاب التجارب الجماعية والآلام المشتركة، فالأمر لا يتعلق بتوجيه الاتهام بل بتسليط الضوء على الحالة الإنسانية، وتشجيع فهم أعمق للتحديات المجتمعية التي نوجهها يوميًّا.

 

 

 

 

5- برأيك، إلى أي مدى تستطيع السينما الليبية أن تعبر عن الواقع الليبي وتؤثر في وعي المجتمع في وجود التحديات السياسة والإنتاجية؟

 

ليست السينما مجرد وسيلة ترفيه أو إحدى صور الفن فقط، بل أراها تعبر عن هويتنا الجماعية وتحافظ على تراثنا الثقافي. في مجتمعنا تعد السينما نوعًا قويًّا من “القوة الناعمة” القادرة على تشكيل الرأي العام وتقليص الفجوات بين الأجيال والمناطق المختلفة، وهي إلى ذلك تمكننا من تقديم سرديتنا الخاصة ورواية قصصنا للعالم بنظرتنا الخاصة، بدلًا من الاعتماد على وجهات نظر خارجية.

وفي نهاية المطاف تساهم الصناعة السينمائية في إثارة نقاشات ضرورية وتعزيز التعاطف، إضافة إلى توثيق تاريخنا للأجيال القادمة بطريقة لا تستطيع كتب التاريخ تحقيقها بمفردها.

 

 

6- من واقع التجربة، ما أبرز المشكلات التي تواجه المنتج الليبي؟

 

أكبر المشكلات التي يواجهها المنتج الليبي اليوم هي التدخل السياسي، فهو يعرقل العمل الفني على نحو مباشر، وكل جهة تحاول فرض رؤيتها، ما يجعل العملية الإنتاجية معقدة وغير مستقرة. ثم إنّ القطاع لا يملك بروتوكولًا واضحًا للتصوير، فلا إجراءات ثابتة للحصول على التصاريح، ولا آلية واضحة لإدخال معدات التصوير من الخارج، وكل شيء يكون غالبًا بالاعتماد على العلاقات الشخصية.

إضافة إلى ذلك، القطاع الإنتاجي في ليبيا غير منظّم من أي جهة، سواء سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو تقنيًّا، ولا يوجد دعم حقيقي من المؤسسات الرسمية. حتى الشباب خريجو الإعلام أو الإنتاج المرئي يجدون صعوبة في إيجاد فرص عمل، إذ قد يُنتج مسلسل واحد أو برنامج موسمي في السنة، وهذا لا يكفي لتكوين سوق حقيقي.

مع ذلك، من الشباب من يبذلون جهودًا لصنع محتواهم بأنفسهم دون انتظار الفرص، وهذا يبشّر بخير إذا ما توفّر لهم الدعم وتنظّم القطاع تنظيمًا أفضل.

 

 

 

 

7- في الختام… ما نصيحتك للمنتجين الشباب في ليبيا؟

 

لا تحاول الجري قبل أن تتعلم المشي. ابدأ بمشاريع صغيرة تكون المخاطر فيها محدودة واستثمرها في إتقان المهنة. لكن الأهم من ذلك هو أن تصبح شغوفًا بمرحلة ما قبل الإنتاج.

وبما أن صناعة السينما في ليبيا لا تزال في بداياتها، فإننا نفتقر إلى بنية تحتية قوية وثابتة، مثل شركات تأجير المعدات، أو ضوابط واضحة للحصول تصاريح التصوير، على خلاف الدول الأخرى؛ وهذا يعني أنك مضطر للتخطيط لعملك بأدق التفاصيل الممكنة.

ومع ذلك يجب أن تكون واقعيًّا أيضًا، فالبيئة هنا في ليبيا قد تكون غير متوقعة. لذلك عليك أن تضع هامشًا كبيرًا للأخطاء في حساباتك. وإذا أخفقت في الخطة الأولى يجب أن تكون هادئًا بما يكفي للانتقال فورًا إلى الخطة الثانية، ففي مجالنا لا تقتصر إبداعية المنتج على النص فحسب، بل تمتد إلى إيجاد حلول لوجستية ذكية ومبتكرة عند حدوث ما هو غير متوقع.

قد تبدو الظروف صعبة، لكن هذا هو الوقت المناسب لتتعلم كل شيء بنفسك. أنصحهم ألا يتوقفوا، وألا ينتظروا سوقًا جاهزًا، بل ليصنعوا خطواتهم بأنفسهم. فإذا استطعت أن تُنتج فيلمًا في ليبيا، فستتمكن من إنتاجه في أي مكان في العالم.

 

 

الكاتب:
شيماء التابعي