بلد الإنتاج: كندا

سنة الإنتاج: 2023

مدة العرض: 61 دقيقة

نوع الفيلم: وثائقي

إعداد وإخراج: سارة بن سعود

التقييم: يستحق المشاهدة

 

 

غالبًا ما تدور حكايات الأسلاف في فلك التقديس، تتبدّى صورة الجدّ فيها ملمَّعة بحِكَم وأقوال من شأنها أن تنير الدرب وتشدّ الشكيمة، وتلازمها صورة الجدة، صائغة الحكايات وأيقونة العفّة. لطالما اقتصرت أغلب سمات الهُوية الليبية على الأيقونتيْن: شجاعة الأجداد، متمثّلة بحدّة في صورة جنود المقاومة ضد المستعمر الإيطالي، وعفّة الجدّات وتضحياتهن، في الحقبة ذاتها، وقس على ذلك تمثيلات الأدب والمسرح التي أبّدت هذه الثوابت؛ مذ ذاك صار كل صوتٍ مغايرٍ لمبادئ الشجاعة والعفة هامشيًّا في أدب الشباب. في السينما أيضًا، يبقى “الحفاظ على الهُوية” مفهومًا فضفاضًا لا يكتشف ماهية الهُوية أصلًا.

على ضفاف بحيرة متجمّدة في مقاطعة كيبيك بكندا، تلتقط سارة بن سعود صورة لبطّة تشق الطريق. نراها عبر كاميرا أخرى طفلةً ونسمعها تسرد حكاية ميلادها في صيف 1996، تقول إنها وُلِدَت في كيبيك لأب ليبي-تونسي وأم كندية، فترعرعت في كنف الثقافة الكندية المسيحية دون أي حضور لليبيا أو حتى للمناسبات الإسلامية، ذاك أن أباها قد انقطع عن مسقط الرأس بالكلية. هكذا يفتتح الفيلم مساره، فتتبع “البطلة” أثر الخطوات الغائبة: معنى أن تكون ليبيًّا، وأن تكون تونسيًّا، وبطريقة لم تبح بها مباشرةً: معنى أن تكون كنديًّا، فهذه الأخيرة تنقسم بين مقاطعة كيبيك الفرنسية، وباقي المقاطعات التسع “الإنجليزية”، فضلًا عن الأقاليم الثلاث حيث السكان الأصليون (الأمم الأولى) هم الغالبية في بعضها والأقلية في البعض الآخر.

بهذا التعقيد الكندي، تتجه بن سعود إلى تعقيد هويّاتي آخر (وهل من هويّة لا تلفّها التعقيدات!) يتماوج بين ليبيا وتونس، وهما بلدان لم تفرقهما الحدود في غابر الأزمان، إذ أبى غبار الصحراء الكبرى أن يفرّق بين سكان الصحراء كافةً. هنا تمس بن سعود أحد جوانب التنوع العرقي في ليبيا، فقد تزوّج جدّها الليبي جدتها التونسية. أولى نقاط التماس وآخرها مذكرات الجدّ، أحمد بن سعود، التي تركها في السبعينيّات لابنه، والد سارة. في أثناء تصفّحها المذكرات رفقة أبيها، تقرأ سارة جملة يتحدث فيها الجدّ عن المهمّشين ويكتب: “أولئك الذين ينتمي إليهم المؤلف”. إذًا حكايته حكاية “من لا صوت له”.

هكذا تتشكل هُوية الفيلم السردية؛ تسرد سارة رسالة كتبتها إلى جدها الغائب جسدًا والحاضر في كلماته التي رُدِمَت عقودًا. ولئن ذكرنا في الفاتحة تقديس الأسلاف، فاكتشاف الأسلاف هنا متأتٍّ من اكتشاف سارة ذاتها عبر المونولوج والحوار، لتؤكّد ظاهرة قديمة: كتابة السيرة محض سيرة ذاتية. ولا ننسى في هذا السياق هوْل الكتابة وطاقتها التي تخلق حضورًا يلغي التقديس، والكتابة حاضرة في المذكرات تلك بلغاتٍ عدةٍ صاغها أحمد بن سعود الذي أتقن وترجم لغاتٍ عدة بينها الإنجليزية والإيطالية والفرنسية والإسبانية، فضلًا عن النصوص العربية -الغالبة في أغلب الظن- التي تركها وصية لابنه.

 

 

 

 

تسافر سارة إلى تونس للاستقصاء (لم تتمكن من زيارة ليبيا “لأسباب أمنية”، بطبائع الأحوال). هنا بيت الجدّ والجدّة ومن بقي من العائلة في تونس العاصمة. هنا ترسم لها قريبتها شجرة العائلة، ويخطر في بالهما أن جدهما مات قبل سنة أو سنتين من اندلاع انتفاضة 17 فبراير، وهو الذي غادر البلاد معارضًا. في أحد المشاهد التي تبتعد وإنما تقترب من الموضوع، يصحب سارة أحد الأقارب في جولة في بيت والد جدّتها (أي الجزء الناتئ في هويتها التونسية)، ويحدثها عن أهمية “روح العائلة” الكامنة في مشاركة الذكريات، وأهمية بيت العائلة الفارغ جسدًا والممتلئ روحًا وما يعنيه لأعمامها وعماتها، “حوش العيلة” في الاصطلاح الليبي.

بالعودة إلى مذكرات الجدّ، يصوّر أحمد بن سعود نفسه كدون كيشوت، صورة نستسقي منها روحًا حالمةً تتشظى فيها الهُوية كي تعود إلى بدايةٍ لم تبدأ. هكذا تقول سارة إنها ليست مجرد كندية عندما تقضي أربعة أشهر في تونس، تتعلم فيها اللهجة التونسية، وتقع في حب شاب تونسي. على أن هذا القول لا يلغي كنديّتها بل يُثريها، تمامًا كما تثري تونسيّة جدّها ليبيّته.

عن تلك الليبيا، وتلك الطرابلس تحديدًا، يكتب أحمد بن سعود عن عالم اندثر بعد 1969، حين يتحدث عن “الحياة الحلوة”la dolce vita ، إذ جاب في شوارع المدينة وزار باراتها وأنديتها الليلية، وانخرط في أحابيلها السياسية فقد ترشّح أربع مرات لمنصبٍ ما، ليخفق في المرات الأربع لأسباب تبدو قبلية؛ لذلك كان من المتفائلين بانقلاب/انتفاضة 1969؛ لأنه فقد الأمل في المملكة، فيفقد الأمل مجددًا بالجمهورية والجماهيرية ويُسجَن في 1979 لعاميْن. سنعود لهذا بعد أسطر.

تحتفل سارة أخيرًا بعيد الأضحى، وتخبر أقرباءها أنها المرة الأولى التي تحتفل فيها بأي عيد إسلامي. يردف أعمامها فرحتها ويخبرونها أن روح العيد كامنة في العطاء وليس في أكل اللحوم، لكنهم يقرّون أن هذه الروح قد اندثرت؛ فتمرّغ المعيّدون في لذة الأكل والبذخ وهم ممن تمرّغ في النعيم.

 

 

 

 

في إحدى رسائلها الأخيرة إلى جدها، تخبره أن أولاده جميعًا غادروا ليبيا، فقد استقر أبناؤه الثلاثة في كندا وإنجلترا واستقرت ابنته في مصر، لكنهم يجتمعون الآن أول مرة منذ عقود في “حوش العيلة” في تونس. تجلب العمة/الابنة صورًا ووثائقَ لأبيها، الأديب الهاوي. في أقوى مشاهد الفيلم تجلس سارة مع أبيها وعمها وعمتها فتسمعهم يتحدثون عن حلمه بنشر تجاربه في كتاب، وعن قضائه سنتيْن في السجن أيضًا، وهي المرة الأولى التي تتجلى فيها المكاشفة مع قتامة الماضي، فما يسهل كشفه من طريق الأحفاد يصير عسيرًا على الأبناء الذين جربوا عذاب السلب والغياب، وهي مدركة لانفعالات مكبوتة سمعتها في أصواتهم ورأتها في وجوههم. القوة كامنة أيضًا في رصد هذه القسوة دون ترقّب، فلا مقدمات للمشهد. ربما يوحي هذا التطور بأن قصة المنفى في ليبيا تظل قصة سجون الجماهيرية بالأساس، بعد سجون المملكة وقبل سجون حكّام اليوم.

في مذكراته، يكتب أحمد بن سعود عن خروجه من السجن جسدًا بلا روح، (وسارة تتذكره عجوزًا في بداية الفيلم وهي طفلة تراه على كرسي متحرك، مهزومًا وصامتًا)، على أنه في نهاية السرد يقول إنه يشرب نخب كل دون كيشوت في العالم، ليقرّ للمشاهد أن السجن وكفاحه العقيم لا يمثلانه، بل هما جزء من “حياة حلوة” تشوبها المرارة أحيانًا لكيلا تُتَفّه حلاوتها ولا تتبدّى مرارتها طاغية.

 كنتُ قد راجعتُ في مقال سابق فيلم خالد الشامس (كلاب العقيد الضالة)، عن مآلات القمع السياسي من طريق الأب الحي الذي يتحدث إلينا مباشرة. أخبرني خالد أن أحد دوافع إنتاج الفيلم كَمَن في محاولته الاقتراب من أبيه، وتعبّر سارة عن الدافع نفسه في الفيلم. صحَّ أن موضوع خالد أصبح حيًّا ينطق، في حين بات موضوع سارة حيًّا بكلمات جمعتها من أوراق متفرقة، إنما صحَّ أيضًا أن الاثنيْن بحثا، وربما يبحثان، عن الحاضر الغائب، في كل الأماكن وكل الأوقات.  

 

 

الكاتب:
سعد العشّه