سنة الإنتاج: 2017

مدة العرض: 11:15 دقيقة

نوع الفيلم: دراما

سيناريو وإخراج: فرج معيوف

 

بعض المهرجانات التي عرضت الفيلم: مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي، مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، مهرجان هولندا لأفلام الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

التقييم: يستحق المشاهدة.

 

 

1

للأسف البالغ في شدته، نعجز بوصفنا مدمني سينما على مشاهدة أغلب الأفلام الليبية الحديثة، في حين تسهل مشاهدة أفلام الكوكب في الحِقَب كافةً. ولئن صار واحدنا محظوظًا واقتنص فيلمًا هنا أو هناك، فهذه الأفلام غالبًا ما خيّبت آمالنا إثر مشاهدتنا إياها في سياق سينما “عالمية” تنهل من روحٍ خلّاقة لا شأن لها سوى الكشف الدؤوب عن حدود السينما وما وراءها. نهتم كثيرًا بالمنجز التاريخي للحدث ذاته، ذاك أن الإنتاج المحض للأفلام في ليبيا يُعد معجزة تخرج علينا مرتين أو ثلاثًا في العام، وهذه المعجزات تسلك صراط الأفلام القصيرة المستقيم. إنها الأسهل نسبيًّا والأرخص.

تعرّفتُ في أعقاب كوفيد 19 على أعمال المخرج الشاب فرج معيوف، الذي دخل عالم السينما من بابه الضيّق، أي من التجريب الآني في تصوير كل ما يمكن تصويره، بغض النظر والسمع عن مستقبل أفلامه المصوَّرة.

 إبّان انتفاضة 2011، اتّجه أغلب السينمائيّين الليبيّين إلى تصوير الحرب في وثائقيّات طويلة وقصيرة، وروائية قصيرة فقط (كما أسلفتُ مع زميلاتي وزملائي في مؤسسة ليبيا للأفلام، بات إنتاج الفيلم الروائي الطويل منتظَرًا كانتظار البعض للمهدي وغودو معًا). بيدَ أن فيلمنا هنا ليس معنيًّا بعناوين الأخبار الراهنة ولا بــــ”تثقيف” العالم بتاريخ ليبيا الحديث، كما ينتهج العديد من السينمائيين الليبيين الآن. أقول “سينمائيّون” للتشديد على من يؤول على نفسه كتابة النص وأفلمتِه ومنتَجَتِه. 

على أن الفيلم يكشف عن جرحٍ غائرٍ في جسد المجتمع الليبي، وهو بكشفه هذا إنما يهدف إلى التوعية دون الإرشاد والوعظ، في خلطة إخراجية بسيطة لا تطلب الكثير من ممثليها، وبإضاءة طبيعية في وضح النهار.

في سيرة إنتاج الفيلم، يخبرني فرج أن الفيلم تكوّن إثر قراءته مذكرات عبد الله صالح (من المدرسة إلى المعركة). والأستاذ عبد الله مواطن ليبي من مرزق، اقتيد في الثمانينيّات مع زملائه في المدرسة الثانوية إلى جبهات القتال مع الجارة تشاد. (نسمع لهجة مختلفة في الفيلم وليس لهجة مرزق، فالموت لا يعترف باللهجات). لا تعنينا تفاصيل الكتاب الكثيرة وحكاية عبد الله القاسية، فذاك مقال آخر، ما يهمنا هنا هو الاشتغال في غضون تسع دقائق على ومضات من حياة شبابٍ موءودٍ وأصداء من بقيَ من الأحياء. (إلى من لا يرغب في “حرق الأحداث”، ننصح بمغادرة المقال الآن).

 

 

 

 

2

نسمع في أول اللقطات صوت شابٍّ على الهاتف مع الحبيبة، يخبرها أنه على وشْك إتمام الشهادة الثانوية، ليتقدم إلى أهلها بطلب الزواج، وإن كان أهلها مستعجلين، فكل شيء قسمة ونصيب. هي حكاية قديمة عَرَضتها شاشات “السهرة” التلفزيونية وقرأناها في صفحات الأدب “الاجتماعي”. لكن هذه المكالمة تدور في فلكٍ مغايرٍ نفهمه بالتقسيط، بالصورة تارةً وبالصوت تارةً ثانية.

نخرج من صوت الميلودراما إلى صورة الواقعية في مدرسة “بنينَ” متهالكة، بين لعب الكرة وحصة الرياضيّات، فيما يراقب غفير المدرسة كل واردة في الساحة، وفي بعض الأحيان بعض الشوارد. صوت الراديو في غرفة الغفير يرافق حصة الرياضيّات: اتّصال من مواطن يسأل عن مصير ابنه الذي اختفى منذ عام. هنا يأتي خبرٌ من الإدارة إلى معلم الرياضيات: أخبِر الطلّاب أن يستعدّوا للذهاب في رحلة مدرسية. يجتمع شمل الصوت بالصورة في مشهد لسائق حافلة الرحلة وهو يقرأ الجريدة التي تعرض لنا “معارك ثورة عبد الناصر“، فيما يعلن مذيع الراديو أخبار الانتصارات المفترَضَة في جبهة القتال بعد إذاعة السلام الوطني للجماهيرية. في رأيي هذا هو المشهد الضعيف بالفيلم؛ إذ تُلفَّقُ المفارقات التاريخية (حضور عبد الناصر في الثمانينيّات) في لقطة مشبَّعة أصلًا بالرموز (حماسة الإعلام الجماهيري إزاء الحرب وهزيمته التالية).

لكننا نعي أن صانعي الفيلم القصير يحرصون على تكثيف المعنى، وفي ذاك التكثيف تكمن الرمزية الخاوية التي ذكرتها في العنوان. فيلم 205 يجتاز هذه الرمزية، إذ يقفز على هفوته ويعطي مساحةً أكبر لدردشات المراهقين، من أسرار علاقات الحب إلى لعب الكرة (نهجٌ سلكه جوس فان سانت في تحفته “الفيل” في 2003، فالفيلم يعرض أحوال طلبة مدرسة ثانوية قبيْل أن يُبادوا على يد زميلهم). بهذا التركيز، يضع معيوف مراهقيه في بؤرة الاهتمام، قبل أخبار الحرب وظروفها، ويرادف هذا الاهتمام تصوير أهل المراهقين، واقفين عند بوابة المدرسة كمن يقف عند بوابة السجن ليستجدي زيارةً بالواسطة.

يلعب الغفير “الكارطة” وحده برفقة أصوات الراديو التي تنتقل من عنف الإعلام الحربي إلى وهن الأهالي المعلَّقين في “أعراف” الخبر، لا يعرفون مصير أبنائهم الأحياء بالأمس، و”حال غايتهم” معرفة مصيرهم يقينًا وإن كان في صورة عظامٍ تدل على جثة غائبة.

يقفل الغفير المدرسة في حضرة كراسات الدراسة المهجورة، فيما نرى الطلبة جالسين في طائرة حربية.

خفّة الذاكرة تُحتمَل كما يُحتمَل ثقلها أيضًا. قد نشوِّش بخفتها حقيقةَ انفعالاتنا، سيّما إزاء الأموات، أما ثقلها فيجرّنا أحيانًا إلى تقديسهم. وإذ نتجاهل هنا الإشارة الأدبية إلى رائعة كونديرا، نفكّر في فحوى فيلم 205 القصير: فيلم 205 المتواضع الذي يفكّر بموْتاه كما يفكّر بأحيائه، دون تقديسهم أو الحكم عليهم.

 

 

 

 

وإن جاز الختام بكلامٍ عن تقديس وحكمٍ، جاز الحديث أيضًا عن أفلامٍ عظيمة لم تنتهج “الحياد” في مضمونها، لا سيما في أفلام جودار الماوية، ومنها إلى أقصى الشرق في استفزازات ناغيسا أوشيما في اليابان، إلى أقصى الغرب في البرازيل بسينما غلاوبر روتشا الثورية. بهذه الأمثلة، نذكّر أن سينما الحياد ليست بالضرورة عظيمة، فكثير من السينمائيين الليبيين صاروا مهووسين بفكرة الحياد، فأنتجوا أفلامًا سياسية بلا بعدٍ سياسي، ظهرت بائخة تقدّم رموزًا لا أناسًا، بين صبّاغٍ ودبّاغٍ، وبين سجينٍ وسجّانٍ. ولطالما اختلف “العلماء”، أي النقاد، في شأن نية السينمائي: هل تهم نية المخرج في تصوير هذا المشهد أو ذاك؟ لا تهمنا نيّة معيوف في تصوير طلّابه، بقدر ما يهمنا استقبال المشاهد مآلات التصوير.

 هكذا تظهر ملامح فيلم 205 دون الرمز وبعده، فرقم 205 يشير إلى الـــ 205 طالبٍ الذين جُرّوا إلى الحرب. من هذه المأساة، يتخبط النص والأسلوب الإخراجي بين التقشّف والتشبّع، ليسقط حينًا، ويرفرف حينًا آخر، وهذا في ظروف تصوير بائسة (إضافة إلى الاعتماد على أدوات التصوير الشخصية، جُمعت عناصر المدرسة من مصادر متنوعة، بصرف النظر عن التنسيق المؤلم مع السلطات).

في نهاية التصوير ونهاية المشاهدة، يتبدّى (205) إخلالٍ ضروريٍّ في منظومة التعبير السينمائي الليبي: إنه ليس فيلمًا ثوريًّا بالضرورة، وإنما يخلق بدقائقه التسع مقدمة لسينما “وطنية” تأخذ بتلابيب الأدوات السينمائية الكثيرة دون وعظ أو إغراق في البكائيّات، بأبسط الكلمات وأسهل اللقطات.

الكاتب:
سعد العشّه